الخميس، 3 مارس 2016

اطردِ الفراغ بالعملِ

اطردِ الفراغ بالعملِ


الفارغون في الحياةِ هم أهلُ الأراجيفِ والشائعات لأنَّ أذهانهم موزَّعةٌ (( رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ )) .
إنَّ أخطر حالات الذهنِ يوم يفرغُ صاحبُه من العملِ ، فيبقى كالسيارةِ المسرعةِ في انحدارِ بلا سائقٍ تجنحُ ذات اليمين وذات الشمالِ .
يوم تجدُ في حياتك فراغاً فتهيَّأ حينها للهمِّ والغمِّ والفزعِ ، لأن هذا الفراغ يسحبُ لك كلَّ ملفَّاتِ الماضي والحاضرِ والمستقبلِ من أدراج الحياةِ فيجعلك في أمرٍ مريجٍ ، ونصيحتي لك ولنفسي أن تقوم بأعمالٍ مثمرةٍ بدلاً من هذا الاسترخاءِ القاتلِ لأنهُ وأدٌ خفيٌّ ، وانتحارٌ بكبسولٍ مسكِّنٍ .
إن الفراغً أشبهُ بالتعذيب البطيءِ الذي يمارسُ في سجونِ الصينِ بوضعِ السجينِ تحت أنبوبٍ يقطُرُ كلَّ دقيقةٍ قطرةً ، وفي فتراتِ انتظارِ هذه القطراتِ يُصابُ السجينُ بالجنونِ .
الراحةُ غفلةٌ ، والفراغُ لِصٌّ محترِفٌ ، وعقلك هو فريسةٌ ممزَّقةٌ لهذه الحروبِ الوهميَّة .
إذاً قم الآن صلِّ أو اقرأ ، أو سبِّحْ ، أو طالعْ ، أو اكتبْ ، أو رتِّب مكتبك ، أو أصلح بيتك ، أو انفعْ غيرك حتى تقضي على الفراغِ ، وإني لك من الناصحينْ .

اذبحْ الفراغ بسكينِ العملِ ، ويضمن لك أطباءُ العالم 50% من السعادة مقابل هذا الإجراءِ الطارئِ فحسب ، انظر إلى الفلاحين والخبازين والبنائين يغردون بالأناشيد كالعصافيرِ في سعادةٍ وراحةٍ وأنت على فراشك تمسحُ دموعك وتضطرُب لأنك ملدوغٌ .
****************************************
من كتاب لا تحزن


الأربعاء، 2 مارس 2016

عمر بن عبد العزيز ينعى ابنه

حدثنا حزم، قال: بلغنا أن عمر كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن في شأن ابنه عبد الملك حين توفي: أما بعد، فإن الله تبارك اسمه وتعالى ذكره كتب على خلقه حين خلقهم الموت وجعل مصيرهم إليه، فقال فيما أنزل من كتابه الصادق الذي حفظه بعلمه وأشهد ملائكته على حقه أنه يرث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون. ثم قال لنبيه عليه السلام: " وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفئن مت فهم الخالدون " . ثم قال: " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى " . فالموت سبيل الناس في الدنيا، لم يكتب الله لمحسن ولا لمسيء فيها خلداً، ولم يرض ما أعجب أهلها ثواباً لأهل طاعته، ولم يرض ببلائها نقمة لأهل معصيته، فكل شيء منها أعجب أهلها أو كرهوا منه شيئاً متروك، لذلك خلقت حين خلقت، ولذلك سكنت منذ سكنت، ليبلو الله فيها عباده أيهم أحسن عملاً، فمن قدم عند خروجه من الدنيا إلى أهل طاعته ورضوانه من أنبيائه وأئمة الهدى الذين أمر الله نبيه أن يقتدي بهداهم خالد في دار المقامة من فضله، لا يمسه فيها نصب ولا يمسه فيها لغوب، ومن كانت مفارقته الدنيا إلى غيرهم وغير منازلهم فقد قابل الشر الطويل واقام على ما لا قبل له له، أسأل الله برحمته أن يبقينا ما أبقانا في الدنيا مطيعين لأمره، متبعين لكتابه، وجعلنا إذا خرجنا من الدنيا إلى نبينا ومن أمرنا أن نقتدي بهداه من المصطفين الأخيار، وأسأله برحمته أن يقينا أعمال السوء في الدنيا، والسيئات يوم القيامة. ثم إن عبد الملك ابن أمير المؤمنين كان عبداً من عباد الله أحسن الله إليه في نفسه، وأحسن إلى أبيه فيه، أعاشه الله ما أحب أن يعيشه، ثم قبضه إليه حين أحب أن قبضه، وهو فيما علمت بالموت مغتبط يرجو فيه من الله رجاءً حسناً، فأعوذ بالله أن تكون لي محبة في شيء من الأمور تخالف محبة الله، فإن خلاف ذلك لا يصلح في بلائه عندي، وإحسانه إلى، ونعمته على، وقد قلت فيما كان من سبيله والحمد لله ما رجوت به ثواب الله وموعده الصادق من المغفرة، إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم لم أجد من المصيبة فحمداً لله على ما مضى وعلى ما بقى، وعلى كل حال من أمر الدنيا والآخرة. أحببت أن أكتب إليك بذلك وأعلمكه من قضاء الله فلا أعلم ما نيح عليه في شيء من قبلك ولا اجتمع على ذلك أحد من الناس، ولا رخصت فيه لقريب من الناس ولا لبعيد، واكفني ذلك بكفاية الله، ولا ألومنك فيه إن شاء الله والسلام عليك.

من كتاب حلية الاولياء

الإحسانُ إلى الآخرين انشراحٌ للصدر



الإحسانُ إلى الآخرين انشراحٌ للصدر

الجميلُ كاسمِهِ ، والمعروفُ كرسمِهِ ، والخيرُ كطعمِهِ. أولُ المستفيدين من إسعادِ النَّاسِ همُ المتفضِّلون بهذا الإسعادِ ، يجنون ثمرتهُ عاجلاً في نفوسهِمْ ، وأخلاقِهم ، وضمائِرِهِم ، فيجدون الانشراح والانبساط ، والهدوء والسكينة.
فإذا طاف بك طائفٌ من همٍّ أو ألمِّ بك غمٌّ فامنحْ غيرك معروفاً وأسدِ لهُ جميلاً تجدِ الفرج والرَّاحة. أعطِ محروماً ،

انصر مظلوماً ، أنقِذْ مكروباً ، أطعمْ جائعاً ، عِدْ مريضاً ، أعنْ منكوباً ، تجدِ السعادة تغمرُك من بين يديْك ومنْ خلفِك.
إنَّ فعلَ الخيرِ كالطيب ينفعُ حاملهُ وبائعه ومشتريهُ ، وعوائدُ الخيرِ النفسيَّة عقاقيرُ مباركةٌ تصرفُ في صيدليةِ الذي عُمِرتْ قلوبُهم بالبِّر والإحسان .
إن توزيع البسماتِ المشرقةِ على فقراءِ الأخلاقِ صدقةٌ جاريةٌ في عالمِ القيمِ (( ولو أن تلقى أخاك بوجهِ طلْقِ )) وإن عبوس الوجهِ إعلانُ حربٍ ضروسٍ على الآخرين لا يعلمُ قيامها إلا علاَّمٌ الغيوبِ .

شربةُ ماءِ من كفِّ بغي لكلب عقورٍ أثمرتْ دخول جنة عرضُها السمواتُ والأرضُ ؛ لأنَّ صاحب الثوابِ غفورٌ شكورٌ جميلٌ ، يحبُّ الجميل ، غنيٌ حميدٌ .
يا منْ تُهدِّدهُمْ كوابيسُ الشقاءِ والفزع والخوفِ هلموا إلى بستانِ المعروفِ وتشاغلوا بالآخرين، عطاءً وضيافةً ومواساةً وإعانةً وخدمةً وستجدون السعادة طعماً ولوناً وذوقاً (( وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى{19} إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى{20} وَلَسَوْفَ يَرْضَى )) .
*****************************************
كتاب لا تحزن

الثلاثاء، 1 مارس 2016

لا تنتظرْ شكراً من أحدٍ

لا تنتظرْ شكراً من أحدٍ

خلق اللهُ العباد ليذكروهُ ورزق اللهُ الخليقة ليشكروهُ ، فعبد الكثيرُ غيره ، وشكرَ الغالبُ سواه ، لأنَّ طبيعة الجحودِ والنكرانِ والجفاءِ وكُفْرانِ النِّعم غالبةٌ على النفوس ، فلا تُصْدمْ إذا وجدت هؤلاءِ قد كفروا جميلك ، وأحرقوا إحسانك ، ونسوا معروفك ، بل ربما ناصبوك العِداءَ ، ورموك بمنجنيق الحقدِ الدفين ، لا لشيءٍ إلا لأنك أحسنت إليهمْ (( وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ )) وطالعْ سجلَّ العالمِ المشهود ، فإذا في فصولِهِ قصةُ أبٍ ربَّى ابنهُ وغذّاهُ وكساهُ وأطعمهُ وسقاهُ ، وأدَّبهُ ، وعلَّمهُ ، سهر لينام ، وجاع ليشبع ، وتعِب ليرتاح ، فلمَّا طرَّ شاربُ هذا الابن وقوي ساعده ، أصبح لوالدهِ كالكلبِ العقورِ ، استخفافاً ، ازدراءً ، مقتاً ، عقوقاً صارخاً ، عذاباً وبيلاً .
ألا فليهدأ الذين احترقت أوراقُ جميلِهمْ عند منكوسي الفِطرِ ، ومحطَّمي الإراداتِ ، وليهنؤوا بعوضِ المثوبةِ عند من لا تنفدُ خزائنُه .
إن هذا الخطاب الحارَّ لا يدعوك لتركِ الجميلِ ، وعدمِ الإحسانِ للغير ، وإنما يوطِّنُك على انتظار الجحودِ ، والتنكرِ لهذا الجميلِ والإحسانِ ، فلا تبتئس بما كانوا يصنعون.
اعمل الخير لِوجْهِ اللهِ ؛ لأنك الفائزُ على كل حالٍ ، ثمَّ لا يضرك غمْطُ من غمطك ، ولا جحودُ من جحدك ، واحمدِ الله لأنك المحسنُ ، واليدُ العليا خيرٌ من اليدِ السفلى (( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً )) .
وقد ذُهِل كثيرٌ من العقلاءِ من جبلَّةِ الجحودِ عند الغوْغاءِ ، وكأنهمْ ما سمعوا الوحي الجليل وهو ينعي على الصنف عتوَّه وتمردهُ (( مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ )) لا تُفاجأ إذا أهديت بليداً قلماً فكتب به هجاءك ، أو منحت جافياً عصاً يتوكأ عليها ويهشُّ بها على غنمهِ ، فشجَّ بها رأسك ، هذا هو الأصلُ عند هذهِ البشريةِ
المحنّطةِ في كفنِ الجحودِ مع باريها جلَّ في علاه ، فكيف بها معي ومعك ؟! .
***********
كتاب لا تحزن