مغامرة (رقم 2)
بين
أشجار الأرز
تأليف
ح.
ح.
5-2014
بيروت في الخاطر
في احدى الضواحي الراقية في العاصمة
وفي بيت جميل وكبير , عمل هناك ستة اشخاص شكلوا قيادة القوة الضاربة.
منذ اربع سنوات تشكلت القوة الضاربة لتكون غرفة
عمليات للحفاظ على الامن القومي ومكافحة العمليات الاستخبارية المعادية. شُكلت
قيادة القوة وتم اختيار اعضائها بعناية فائقة وكان احمد من بينهم.
كان مقر عملهم عبارة عن بيت أنيق مغطى
بالحجر ومنقوش بصورة جميلة وقد علت بابه الخارجي قطعة كبير كتب عليها "شركة المستقبل
للمعلوماتية". كان هذا الموقع الامني الاكثر سرية في البلد.
لم يكن أحد سوى من فيه من الرجال , و لم
يكن احد يعلم سر هذا المبنى او سر ما يعد فيه. ولم يكن في هذا المبنى ورقة واحدة !
كما لم يحتوى المبنى على أية وثيقة او مستند , كل العمل كان يجري عبر حواسيب حديثة
مؤمنة. كل المعلومات التي كانت تجمع وتتداول بين الستة كانت عبر بطاقات ذاكرة
صغيرة عالية السعة يحملها كل واحد منهم اينما ذهب سهلة الحفظ وسهلة الاتلاف اذا
لزم الامر.
كان من الممنوع تدول الاسماء الحقيقة
لهم وكانوا فيما بينهم يستعملون اسماءاً او كنىً وهمية.
كان المبنى اشبه ببيت اشباح يسوده الصمت
والهدوء غالباً , فمعظم الوقت كان قاطنوه يتلقون المعلومات ويحللّونها ثم يصنفونها
ويرفعون بها تقارير الى رئيس القوة التي يتخذ قراره في شانها ثم يعود اعضاء الفريق
لوضع الخطط اللازمة لتنفيذ القرارات التي وضعها.
في صباح ذلك اليوم الصيفي الحار وافق
رئيس القوة على المشروع 5.
بعد ايام قليلة كان احمد في طائرة ركاب
باتجاه بيروت , كان احمد يراقب شاشة العرض الموضوعة امامه وهي تعرض مسار الطائرة
وتفاصيل الارتفاع والسرعة , كانت الطائرة تقترب من اجواء لبنان وكانت هذه الرحلة
الاولى له لهذا البلد.
في هذه الدقائق تذكر احمد المحاضرة
التي استمع لها من الدكتور عبد العزيز عن لبنان وتاريخها واهميتها العربية
والاقليمية وقد استعرض خلالها جغرافية لبنان و تذكر الكلمات التي وصف فيها هذه
البلاد بالجمال والطبيعة الغناء التي جلبت اليه شعوب شتى وحظارات مختلفة.
بدأت الطائرة تدخل اجواء بيروت وتناور
للنزول في المطار ومع انخفاظها بدأ اللون الاخضر زاهيا وهو يكسو الجبال والوديان
وبدا شوق احمد يزداد لرؤية هذا البلد الجميل.
حطت الطائرة ونزل المسافرون من الطائرة
و توجه احمد لاكمال اجراءات الدخول وختم الجواز ثم اخذ حقيبته و استأجر سيارة
أجرة لتوصله الى فندق "الرابية"
الذي كان قد حجز شقة فيه مسبقا.
انطلقت السيارة من المطار وبدأ احمد
يتعرف على شوارع و اطراف بيروت لأول مرة.
وصل احمد الفندق ومر على ادارة الفندق
واكمل الاجراءات ثم صعد الى شقته الصغيرة , تصرف احمد كأي سائح عادي يصل وهو متشوق
للسياحة والتجوال , نزع ملابس السفر على عجل واغتسل وارتدى ملابس جديدة واخرج
حقيبة جلدية صغيرة تحمل على الكتف وضع
فيها جوازه ومقدار بسيط من المال وهاتفه المحمول وارتدى حذائه , ثم خرج واغلق الشقة ووضع مفاتيحها في الادارة
وانطلق سائرا على قدميه عبر الطرقات .
كان الفندق يقع في احدى ضواحي العاصمة
الراقية , والشمس تميل الى المغيب فاضفى ذلك الجو تألقا وجمال للأبنية والشوارع.
استمر احمد في السير والتعرف على هذه المنطقة وطرقاتها ومحلاتها متوقفا بين وقت
وآخر ليشرب عصيرا او ليأكل حلوى من تلك المحال التي تبيع المأكولات السريعة
وليلتقط الصور احيانا عند رؤيته مكانا جميلا او فريدا وليوثق زيارته لتلك الاماكن
, في احد المطاعم الجميلة تناول احمد طعام العشاء و الوقت قد تجاوز العاشرة ليلا ,
كان الوقت قد مضى سريعا واحمد يتجول في تلك المنطقة التي نزل في فندقها.
احس
احمد بالتعب والحاجة الى النوم بعد مجهود السفر والتجوال وخاصةً انه لم ينم منذ اكثر
من عشرين ساعة فعاد الى الفندق واخلد الى النوم . لم يقم احمد بأي تفتيش في الغرفة
او تدقيق فقد تغيرت تلك الحال من زمن بعيد فعلى عميل الاستخبارات في هذه الايام ان
يتصرف على طبيعته كأي سائح في داخل غرفته وخارجها
, ففي عصر التكنولوجيا والكاميرات المخفية الدقيقة واللاقطات شديدة الصغر
اصبح من الخطر ان يقوم العميل بأي عمل مريب داخل غرفته خوفا من ان يكون مراقبا.
في
فجر اليوم التالي استيقظ على صوت منبه هاتفه وصلى الفجر ثم اخذ يطالع هاتفه والصور
التي التقطها في اليوم السابق واثناء ذلك فعل برنامجا خاصا في الهاتف المميز.
بدأ
الهاتف الذي بدا عاديا عملية مسح داخل الشقة بحثا عن اجهزة التنصت وكاميرات
المراقبة , كان هذا عملاً روتينيا للتأكد من انه غير مراقب او مكشوف مسبقا , كانت تلك
العلمية تستغرق عدة دقائق , خرج احمد الى الشرفة واخذ ينظر الى الشارع من أعلى.
كان هواء الصباح العليل ينعش الجسم ويشعره
بالنشاط, عاد احمد واطلع على هاتفه المحمول كانت نتيجة المسح سلبية تعلمه ان الشقة
خالية من اية اجهزة مريبة.
ارتدى
احمد ملابس رياضية وحمل حقيبته وخرج , في احدى المقاهي القريبة تناول كوبا من
الشاي ثم استأجر سيارة وطلب من سائقها ان يذهب به الى اجمل مناطق العاصمة.
تجول
احمد في انحاء العاصمة فزار الآثار الاسلامية و الرومانية في المدينة , تناول
غذائه في احد المطاعم الشعبية واكمل جولته لحين حلول المساء حيث شاهد جمال المدينة
في الليل.
لقاء
في المقر الآمن
استمر
احمد سياحته في المدينة لمدة ثلاثة ايام تجول فيها في مختلف انحاء المدينة , كان
الهدف من هذه السياحة ضمان عدم وجود مراقبة او متابعة له كما ان الهدف الآخر هو
التعرف على طرقات المدينة ومعرفة المزدحم منها وغير المزدحم ومعرفة اوقات الازدحام
في تلك الشوارع وامكانية الحركة فيها بسرعة اذا لزم الامر.
في
اليوم الرابع تأكد احمد انه غير مراقب لذلك في
مساء ذلك اليوم وعبر عدة توقفات واجراءات احترازية توجه الى المقر الآمن.
في
احدى البنايات العالية وامام شقة في الدور السادس وقف احمد واخرج مفتاح من جيبه
ودقق الباب بظهر كفه دقات خفيفة ثم وضعه في قفل الباب واداره.
فتح
احمد الباب ودخل ليجد زميله "حسن" ينتظره خلف الباب , كان "حسن"
شابا اشقراً مفتول العضلات جميل الطلعة , كان "حسن" يعيش ويعمل منذ
سنوات في لبنان بكفاءة ونشاط.
تصافح
الاثنان بحرارة بالرغم من انهما لم يلتقيا من قبل , لكن ربما تلك العاطفة التي
تجمع ابناء البلد الواحد في بلاد الغربة.
-
كيف حالك سمير
؟
-
بخير الحمد
لله , كيف حالك وليد ؟
استعمل
الاثنان اسمائهم الرمزية المدونة في بطاقاتهم التعريفية حسب التعليمات , فأي منهما
لم يكن يعرف الاسم الحقيقي للاخر.
ثم
قاد حسن احمد الى غرفة الاستقبال , حيث احضر له علبة من العصير البارد.
جلس
حسن واحمد على كنبتين متقابلتين وبدأوا الحديث.
-
كيف احوال
البلد ؟
-
بخير .. و انت
كيف حالك هنا ؟
-
جيدة.
-
كلمني على
مشروعنا.
قام
حسن وجلب حاسوب لوحي ثم اخرج حسن من جيب سري في حزام بنطلونه بطاقة ذاكرة صغيرة
وضعها في الجهاز ثم اخذ بواسطة المحمول يستعرض ما فيها بترتيب.
اظهر
حسن صورة شخص في الاربعينيات من عمره وجهه مدور ابيض البشرة اشقر الشعر.
-
هذا هو فواز طربل.
ثم
استعرض حسن عدة صور لنفس الشخص من زوايا مختلفة وفي اماكن ومناسبات متعددة.
-
رجل اعمال
وميلونير ... شخصية سياسية واجتماعية مرموقة , تربطه علاقات وثيقة مع مختلف رجال
السياسة والاعمال , اصدقائه اكثر بكثير من اعدائه. يبلغ عمره ستة واربعون عاما
تبلغ ثروته بضعة مئات الملايين من الدولارات. لديه مجموعة شركات في مجال التجارة
والمقاولات. متزوج وله ابن واحد يدرس في الخارج , مكتبه الرئيسي في منطقة الحدائق
وهي منطقة راقية في العاصمة أما قصره ففي ضاحية العالية وهي منطقة غابات جميلة , يقضي
معظم وقته في البلد ويسافر كل شهرين تقريبا الى الخارج لمدة اسبوع او اسبوعين , فريق
حمايته يتكون من خمس وعشرين شخصا يتحرك معه عادة ستة الى ثمانية اشخاص والباقيين
يقومون بحماية بيته وشركته , هم من العناصر المحترفة , موكبه يتكون من ثلاث سيارت
كبيرة مدرعة رباعية الدفع.
اثناء
الكلام كان حسن يستعرض صور الحماية و صور خارجية لقصر فواز و لشركاته.
-
حسنا هذه
المعلومات العامة... ماهي المعلومات الخاصة .
-
تسربت لنا
معلومات من اجهزة الامن الوطنية تشير الى احتمال علاقته باجهزة استخبارات اجنبية
وانه ربما لديه علاقة بعدة عمليات اغتيال حدثت في السنوات العشرين الماضية .
-
وبعد , ما
الجديد ؟
-
بعض المعلومات
هنا تحذر من احتمال حدوث عملية اغتيال مهمة في الايام القليلة المقبلة وان المهمة
قد تطال شخصية وطنية وقد تحدث فتنة في البلد.
-
و فواز قد
تكون له علاقة بهذه العملية.
-
نعم , وبسبب
علاقاته المهمة مع اعلى المسؤولين في البلد فان اجهزة الامن لا تستطيع التحقيق معه
بسبب عدم وجود ادلة قوية ضده.
كان
احمد كعادته يصغي بانتباه الى حسن وهو يشرح , كانت معظم هذه المعلومات والصور التي
يشاهدها على المحمول قد اطلع عليها في مقر القيادة اثناء دراسة المشروع رقم 5 ,
لكن احمد تعلم ان يسمع من صاحب التقرير نفسه ويعيد التقييم على ضوء المعلومات
والتفاصيل الصغيرة التي قد يتم اغفالها في التقارير المرسلة.
-
حسنا ...
علينا ان نجد الدليل على تورطه في اعمال مشبوهة ... اين الرزمة التي تم ارسالها
قبل ايام ؟
-
ساجلبها لك.
قام
حسن الى غرفة مجاورة ثم عاد بصندوق صغير مغلف بشكل انيق ووضعها على الطاولة بحرص
امام احمد. اخرج احمد جهازه المحمول ثم قام بعدة ضغطات وادخل كلمة مرور وبعد لحضات
بدأت اشارات خضراء وصفراء تلمع في واجهة تطبيق على شاشة محموله.
-
كل شيء على ما
يرام... بعد غد عيد ميلاد فواز اريدك ان تذهب الى محل هدايا وتطلب منه ارسال هذه
الهدية صباح بعد غد الى فواز على عنوان بيته مع رسالة لطيفة بدون ذكر اسم المرسل.
-
حسنا ... انت
متأكد انه سيقبلها ؟
-
لن يستطيع
رفضها.
-
حسنا ... دعني
الان اعرفك على الشقة وما فيها.
قام
الاثنان وبدأ حسن يستعرض لاحمد المخابأ السرية الموجودة في الغرفة التي تحوي
مجموعات من الاسلحة والاعتدة المختلفة الانواع , و من اجهزة الرصد والمراقبة وكذلك
مواد للتنكر.
بعد
ان اطلع احمد بصورة سريعة ومفصلة على موجودات المخبأ الآمن , ودع حسن بعد ان اتفق
معه على اسلوب الاتصال وخطط الطوارىء في حال دعت الضرورة اليها.
عاد
احمد الى الفندق ليقضي ليلته هناك كالعادة.
مراقبة
العدو
كان
المليونير فواز يرشف كوب القهوة وهو جالس على كرسييه قرب حوض السباحة. كان فواز متعودا
على تناول فطوره بعد ان يمارس السباحة رياضته المفضلة.
في
تلك اللحظات اقترب احد الخدم وهو يحمل صينية فيها علبة انيقة.
-
سيدي هذه هدية
وصلت صباحا.
بدون
انتظار وضع الخادم الصينية على الطاولة القريبة. نظر فواز اليها كانت هناك علبة
انيقة جدا مذهبة وبقربها بطاقة الاهداء.
كانت
الهدية قد تم فتحها وفحصها من قبل حماية فواز حفاظا على سلامته وللتأكد من عدم
احتواءها على مايريب.
تناول
فواز بطاقة الاهداء وقرأ ( الى اغلى الناس ... عيد سعيد ... محب ). استغرب فواز من
عدم ذكر المرسل اسمه وساوره الشك. أمسك
العلبة وحملها بين يديه واخذ يقلبها كأنه يزن ما فيها ثم فتح غطاء العلبة.
فتح
فواز عينيه مشدوها وهو ينظر الى جمال الساعة اللماعة التي امامه. كانت ساعة سويسرية
مرصعة بالجواهر. امتلك فواز ساعات سويسرية كثيرة الا ان هذه الساعة هي الاجمل
والاروع كما ان عدد ما فيها من جواهر مرصعة تجعلها قيمة جدا.
كانت
زوجة فواز جالسة قربه وهي تشاهده وهو يتفحص الساعة.
-
انها هدية
جميلة.
-
لم ارى اروع
من هذه الساعة , انها مصنعة حسب الطلب وقيمتها لا تقل عن مليون دولار.
-
من ارسلها لك
؟
-
لم يذكر اسمه
, ولكن لا بد انه سيظهر نفسه في الحفلة اليوم.
ارتدى
فواز الساعة حول معصمه. واخذ بنظر اليها في يده بإمعان.
بقي
فواز في بيته للاعداد للحفل الكبير الذي سيقيمه لمناسبة عيد ميلاده والذي دعا اليه
حشد كبير من الشخصيات الاجتماعية والسياسية والفنية.
اثناء
ذلك كان احمد يواصل جولته في العاصمة ليشاهد معالمها وفي الوقت نفسه يتابع المسار
التي تستخدمه سيارات موكب فواز للوصول الى شركته ويبحث عن الاماكن العامة المناسبة
التي يستطيع منها مراقبة مسار موكب فواز.
في
المساء انتهت الحفلة وغادر ضيوفه واوى فواز الى فراشه وخلع الساعة ووضعها على
طاولة قريبة.
بعد
نصف ساعة كانت الساعة تبث ما سجلته من بيانات في ذلك اليوم عبر موجة خاصة وبسرعة
عالية. كانت تلك الساعة السويسرية الباهضة الثمن قد حُورت بمهارة لتحوي في داخلها
جهازا دقيقا يقوم بتسجيل ما يتحدث به فواز والقريبون منه ويحدد مواقع تحركه ولا
يبث هذه المعلومات الا بعد ان تُخلع الساعة وتستقر في هدوء لنصف ساعة . وتبث
المعلومات في وقت قليل جدا لتقليل امكانية كشف موجة الارسال.
في
هذه الساعة المتأخرة من الليل كان احمد مستلقيا في فراشه ينتظر حين لمعت أيقونة
على الشاشة معلنة وصول رسالة الى الجهاز وبدأ يراقب شريط التحميل في حاسوبه اللوحي
وهو يتسلم البيانات من ساعة اليد , بعد ثواني انتهى تحميل المعلومات .
ضغط
احمد على الشاشة ليقوم برنامج بتحليل المعلومات الواردة وعرض اهم ما فيها.
كان
احمد يضع سماعات الرأس عندما بدأ يستمع للتسجيلات الصوتية الواردة.
انصت
احمد بانتباه الى التسجيلات الواردة وما ان سمع الثواني الاولى من التسجيلات
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة ففكرة الهدية نجحت ولم يستطع فواز مقاومة جمال و اغراء
الهدية.
ومرت
الدقائق ببطء , كانت معظم التسجيلات غير ذات اهمية لانها كانت تتعلق بالاستعدادت
للحفلة , استمر احمد ينصت الى ان جلبت انتباهه محادثة قصيرة بين فواز واحد
الاشخاص:
-
عزيزي النائب
... ما رأيك بالوضع الحالي في البلد ؟
-
كما ترى يا
صديقي الوضع متأزم ... وأي شرارة قد تشعل البلد ومن فيه.
-
ارجو ان لا
يحدث ذلك.
كانت
هذه المحادثة العادية تشير الى حقيقة المخاوف التي تقلق المحللين والمراقبين
لأوضاع هذا البلد.
بعد
ان استمع احمد الى مجمل التسجيلات اظهر على الشاشة خارطة وعليها تحركات فواز. لم
يتحرك فواز في ذلك اليوم من منزله ولم تكن هناك تسجيلات مهمة فاغلق احمد الجهاز
وركن الى النوم.
في
اليوم التالي استمر احمد في التجوال على اسواق ومطاعم البلد القريبة من الشارع
الذي يسلكه موكب سيارات فواز , استطاع احمد من موقع قريب مراقبة سيارات الموكب وهي
تدخل مقر شركته . من خلال المراقبة حدد احمد ترتيب السيارات وعدد من فيها والتوقيت
الذي مرت فيه ومعدل السرعة التي كانوا يسيرون فيها.
في
المساء عاد احمد الى فندقه بعد ان راقب خروج موكب فواز وضبط موعد خروجه ودقق في
عدد الحراس وتأكد من ترتيب جلوسهم في السيارات.
في
الفندق وفي الساعة المحددة استقبل التقرير اليومي وجلس ينصت اليه بحرص لكنه لم
يستطع ايجاد شيء مهم في هذه الاحاديث.
في
اليوم التالي استمر احمد في مراقبة تحركات فواز. ومواقيت وصوله ومغادرته مع
تحديدعدد عناصر الحماية وترتيب ركوبهم في السيارات كما فعل في اليوم السابق.
ليومين
متاليين استمر احمد في عمله المعتاد وقد استطاع خلال هذه الايام القليلة تعلم لهجة
اهل البلد وحفظ سلسلة من الجمل المحلية المتداولة بكثرة بين الناس ولكن المراقبة لم تجدي في الحصول على معلومات اضافية
او ادلة على تورط لفواز.
المطاردة
في
مساء اليوم الخامس وقد اسدل الليل سدوله واحمد في فندقه يستمع الى التسجيلات جلب
انتباهه جملة لافتة للاهتمام فقد حدثت على غير المعتاد في وقت متأخر من الليل , كان
صوت فواز.
-
سامي ... جهز
لي السيارة.
ثم
توقف التسجيل , كان جهاز التنصت يسجل الكلام البشري فقط , لذلك توقف ثم بدأ يعرض
المحادثة التالية :
-
وصلنا سيدي.
...
-
فارس ... هل
اتممت كل شيء ؟
-
نعم.
-
كم الحمولة ؟
-
250.
-
متى ستتحرك ؟
-
في الخامسة.
-
اين ستتوقف ؟
-
هنا ...
-
عزيز ... متى
ستكون هناك ؟
-
في السابعة.
-
هل كل شيء وفق
التعليمات ؟
-
نعم.
-
سيتم التأكيد
وفق القاعدة المعتادة.
-
نعم.
...
بعدها
سمع احمد تسجيلات تبين عودة فواز الى منزله.
كان
هذا التسجيل يؤشر على وجود تخطيط لامر ما ولكن لا يبين فحوى العملية فهناك حمولة
وهناك مكان وهناك توقيتات ولكن ماهي حقيقة الامر هل هو تسليم لشحنة ام هي عملية
تفجير او اغتيال لكن في كل الاحوال فان هذا التسجيل دليل على تورط فواز في اعمال
مشبوهة . قام احمد باعادة توجيه التسجيل وارسله مشفرا الى القيادة.
ثم
فتح برنامج الخرائط واظهر تحركات فواز في تلك الليلة كان هناك تحرك لفواز من بيته
باتجاه الشرق من بيته وبمسافة تقرب من 7 كيلومترات حيث توقفت الاشارة ثم عاد الى
نفس المكان. كان على احمد ان يعمل بسرعة للتوثق من الامر.
ارسل
احمد رسالة مشفرة الى حسن يطلب منه احضار سيارة خاصة له قبل الرابعة فجرا و
موافاته الى المقر الآمن. غيرَ احمد ملابسه و خرج من الفندق متوجها الى المقر
الآمن.
عند
وصوله الى المقر كان حسن ينتظره فاستفهم
منه الامر فشرح له بصورة سريعة الامر وطلب منه الاستعداد لاي طارىء. من احد
الدواليب السرية اخرج احمد عدة التنكر وبدأ بالتنكر فلبس شعرا مستعارا اصفر واضاف
الى وجهه بعض الملامح المصطنعة ثم غير ملابسه الخارجية بعد ان ارتدى تحت قميصه
درعا واقيا.
تجهز
احمد للخروج فاخذ هوية تعريفية محلية وبإسم مستعار وهاتفا جديدا ببطاقة مسجلة باسم
صاحب الهوية المستعارة. بعد ان اكمل احمد تحضيراته اخذ عدة اغراض للتجسس واخذ من
حسن مفتاح السيارة التي جهزها له و نزل من الشقة ليسير عشرات الامتار الى المكان
الذي اوقف فيها حسن السيارة ليستقلها وينطلق.
كان
احمد مستعجلا لان التسجيل يشير الى ان الحمولة ستتحرك في الخامسة ومن المؤكد انها
الخامسة فجرا وهي ستحين بعد اقل من ساعة لذلك قرر احمد الذهاب الى المكان الذي ذهب
اليه فواز واستطلاعه. انطلق احمد بسرعة عادية لكي لا تلفت الانظار. اتجه بها احمد
الى خارج المدينة باتجاه الضواحي .كان الليل دامسا والقمر محاقا وكانت الاشجار
تحيط بالطريق من الجانبين واشجار الارز منتصبة تلوح من بعيد .
فتح
احمد جهاز دليل الخرائط الموجود على محموله واخذ يتتبع مسار الحركة الذي تحركه فواز
وصولا الى موقع اللقاء المشبوه كانت السيارة تقترب والسماء تخترطها خيوط من ضياء
الصباح , كان الطريق يخترق الغابات الخضراء ذات الاشجار العالية.
عندما
اقترب احمد من الموقع لاح مع ضياء الصباح اسوار مبنية من الحجر , في الموقع المحدد
مرت السيارة قرب بوابة حديدية صغيرة , بنظرة خاطفة من طرف عينيه استطاع احمد ان
يلتقط صورة دقيقة للبوابة وما حولها. استطاع ان يلمح بوابة حديدة عالية بعرض ثلاث
امتار لا تسمح برؤية ما خلفها مع كاميرة مراقبة فوقها لمراقبة مدخل البوابة و جانب
الطريق.
واصل
احمد سيره بدون توقف حتى تجاوز المكان بحوالي نصف كيلومتر ثم توقف. فتح حقيبته
الجلدية واخرج علبة صغيرة اشبه بقطعة نقدية سميكة قليلا. شغل احمد السيارة وانطلق
عائدا بالاتجاه المعاكس وبسرعة اكبر , امسك احمد بالعلبة الصغيرة وقبل وصوله الى
البوابة بمسافة محسوبة رمى احمد العلبة في وسط المدخل وبسبب سيارة السرعة اندفعت
العلبة الى المكان المطلوب واعاد يده التي رمى بها الى المقود وقاد السيارة الى
احد الشوارع الفرعية وسط الاشجار واوقف سيارته هناك وأطفأ انوار السيارة .
كانت
الساعة تقترب من الخامسة موعد انطلاق الشخص المدعو فارس. كانت العلبة التي رماها
احمد عبارة عن جهاز تتبع صغير بامكانه بتقنية مغناطيسية الانجذاب الى اي سيارة تمر
قربه او فوقه. كان الاحتمال الكبير في إن فارس سيستعمل سيارة لنقل الحمولة وانه
سيتجه بها الى العاصمة.
كان
المكان الذي توقف فيه احمد يبعد مئات الامتار فقط . وكان جهاز التعقب متوقف حيث
رماه , كان احمد يأمل ان لا يكون الجهاز قد تم رؤيته بواسطة كاميرات المراقبة بفضل
صغر حجمه وقلة الضوء في السماء.
كانت
الساعة تقترب من الخامسة والجهاز ما زال مستمرا في عمله وسيتبين احمد مدى جدواه في
خلال ثواني قليلة.
لحظات
وبدأت إشارة جهاز التعقب بالتحرك , نجح الامر, كان احمد قد وضع كاميرة دقيقة
للتصوير خلف الزجاجة الخلفية لتصور للوراء .
كانت
الاشارة تتحرك عبر الطريق الرئيسي وتقترب من الطريق الفرعي الذي توقف فيه , في المرآة
الجانبية استطاع احمد رؤية سيارة زرقاء نوع صالون تمر يقودها شخص لم يستطع احمد
تبين ملامحه بسبب سرعة السيارة و قلة ضياء الصباح.
سحب
احمد الكاميرة بسرعة من الخلف واوقف التسجيل واعاد الفيلم من البداية الى لحظة
مرور السيارة الزرقاء ثم اوقف الصورة وكبرها ليدقق في طراز السيارة ثم شكل السائق.
كان
السائق حليق الرأس ذو انف معقوف وقد ارتدى نظارات كبيرة , إذن هذا هو "فارس"
, كان هذا كل ما استطاع احمد ان يتبينه لكن ذلك كان كافي ليكون صورة عن المشتبه
به.
بدأت
السيارة المشبوهة تتحرك باتجاه الضاحية الشرقية للعاصمة , تحرك احمد بسيارته لكنه
لم يكن بمقدوره مراقبته عن قرب لان هذه الطرق الريفية خالية في هذه الساعات الاولى
من الصباح وسينكشف امره بكل سهولة.
كان
جهاز التتبع يسمح لاحمد بتتبع السيارة من بعيد , كانت خارطة المدينة ظاهرة على
جهاز الارشاد , وكان جهاز التتبع يؤشر مسار السيارة المشبوهة , قرر احمد ان يتبع
السيارة عن طريق السير في الطرق الموازية والقريبة للطريق الذي يسير فيه فارس .
كان
من الواضح ان فارس يسير في طرق متفرعة وكثيرة من اجل التأكد من عدم وجود متتبع له.
كانت الساعة ما تزال قبل السادسة واحمد يتتبع السيارة عن بعد , كان احمد يدرك انه
عند توقف سيارة فارس في مكان ما سيكون عليه الوصول الى ذلك المكان باقصى سرعة
ليراقب ما سيفعله فارس.
استمرت
المطاردة اكثر من ساعتين ناور فيها احمد بسيارته كثيرا , كانت الشمس قد ارتفعت
والطرق قد ازدحمت بالسيارت وكان فارس قد بدأ يقترب من من وسط المدينة وبدأت سرعته
تبطىء وادرك احمد إن السيارة ستتوقف قريبا.
فجأة
توقفت سيارة فارس و كان الطريق الذي توقفت فيه طريق رئيسي يسمى طريق الشجرة ذو اتجاهين.
قاد
احمد سيارته بسرعة الى اقرب شارع فرعي يطل على الطريق , دخل احمد الشارع واسرع الى
نهايته وتوقف هناك , كان الشارع مكتضا بالسيارات والمارة , نظر احمد الى الاتجاه
الذي توقفت فيه السيارة المشبوهة وقبل ان يلمحها , فجأةً التقت نظراته مع نظرات
وجه مألوف كان يسير على الرصيف.
كان
وجه فارس نظر احدهما الى الأخر في لمحة قصيرة حاول كل منهما ان يظهر تجاهله للآخر.
تضجر
احمد من هذه المفاجأة الخطيرة غير المحسوبة فلا بد ان هذا الشخص قد حصل له شك وانه
على الاكثر سيذكر ملامح وجهه رغم التنكر.
كان
فارس تاركا سيارته خلفه ويسير مع اتجاه حركة السير فعبر الشارع الفرعي امام احمد
الى الجهة الجهة الاخرى , استمر احمد في مراقبته , سار بضع امتار ثم اتجه فارس الى
سيارة متوقفة على جانب الرصيف ففتح باب السيارة من جهة السائق وركبها ثم انطلق ,
في تلك اللحظة ادرك احمد ان مخاوفهم تتحقق واسرع ينظر الى الاتجاه المعاكس بحثا عن
السيارة الصالون الزرقاء , لمحها متوقفة على جانب الرصيف .
فتح
احمد هاتفه المحمول الذي زوده حسن بها وطلب رقم الشرطة , ترك احمد فارس يبتعد وبقي
مراقبا السيارة فلا بد انها مفخخة وانها موضوعة لتحدث كارثة .
-
الو طوارىء
الشرطة !
-
تفضل.
-
اود ان ابلغ
عن سيارة صالون زرقاء تحمل متفجرات متوقفة في شارع الشجرة.
اغلق
هاتفه بسرعة وهنا لمح على الجانب الثاني من الطريق وعلى مسافة خمسين مترا موكب من
السيارات الرباعية الدفع تقترب ومن النوع المدرع , ادرك احمد ان الهدف يقترب من
المصيدة , و بطبيعته المعهودة لاحمد عمل بسرعة وبدون تردد , خبأ جهازه المحمول للتتبع
في حقيبة يده و
ضغط
على دواسة الوقود وامسك عجلة القيادة بقوة وحرر المكابح وانطلق بالسيارة قاطعا
الطريق بالعرض متجاوزا السيارات باتجاه الجانب الثاني من الطريق ومكنته سيارته
العالية والسرعة من تجاوز الرصيف الوسطي. عبرت السيارة الى الجانب الثاني وبكبحة
قوية جعل احمد السيارة تدور في مكانها لتسد الطريق صادما خلال هذه المناورة عدد من
السيارات القادمة من ذلك الاتجاه.
كانت
الحركة مفاجئة واسفرت عن حادث تصادم بين سيارة احمد التي انطلقت فيها اكياس
السلامة وبين ثلاث سيارات كانت تسير في طريقها.
استعاد
احمد تركيزه بعد هذه الحركة القوية وانفجار اكياس الامان في وجهه والصدمة التي
تلقاها من السيارات الاخرى . فتح الباب وترجل من السيارة , وجد احمد السواق
الاخرون قد ترجلوا وهم يحدقون في وجهه بحقد وجاء بعض المارة ليشاهدوا الحادث
ويشاهدون هذا السائق المتهور.
ما
ان ترجل نظر الى الامام باحثا عن الموكب الرسمي القادم , لاحظ ان الموكب توقف بسبب
الازدحام الحاصل من قطعه للطريق بينما كان يسمع صيحات الناس:
-
هل انت مجنون
... انه ثمل ... اين الشرطة ...
حاول
احمد ان يحد من انفعال الحاضرين وتكلم باللهجة المحلية :
-
انا آسف ...
انها المكابح ... انها معطلة.
وصل
شرطي مرور قريب من مكان الحادث وطلب من احمد ان يسحب سيارته بسرعة من وسط الطريق
وان يصفها على جنب وطلب ممن تضررت سياراتهم الطلب نفسه.
انقاد
احمد لامر الشرطي ونظره مصوب الى موكب السيارات , شاهد احمد موكب السيارات يتراجع منسحبا
ليغير طريقه , لقد نجح الأمر فالحراس المحترفون لن يوقفوا موكبا لمسؤول في طريق
مسدود بواسطة حادث مفتعل وستساورهم الشكوك وسيضطرون الى تغيير مسارهم.
اوقف
احمد سيارته الى جنب وهو يراقب في المرآة الخلفية موكب السيارات يعود الى الوراء.
الهروب من
الموت
فتح
احمد الباب لينزل من السيارة و شرطي المرور يشير اليه , قبل ان ينزل احمد قدمه من
السيارة احس بلمعة من الضياء الشديد تغمر عينيه وتحيطه من كل جانب وصدمة من الضغط
والحرارة تدفعه الى الخلف , بصورة لا ارادية اغلق احمد عينيه و غطى احمد وجهه خوفا
من الزجاج المتطاير.
كان
الصوت آخر ما صدح اذنيه , ثواني مرت قبل ان يستجمع احمد رباطة جأشه ليفتح عينيه .
كانت
هناك كتلة من اللهب تلتهم عدد من السيارات والمحال واشلاء محترقة منتشرة في كل
مكان وانقاض مباني وهياكل سيارات متحطمة. ترجل احمد من السيارة ونظر حوله , كانت
معظم السيارات في المكان قد تحطم زجاجها وهناك اشخاص مصابين قد سقطوا على الارض
اما شرطي المرور فقد اختفى. سار احمد باتجاه الانفجار , كان متأكداً ان السيارة
الزرقاء قد فُجرت عن بُعد بعد ان فشلت في تأدية الغرض الذي جهزت منه.
بعد
ان شاهد احمد حجم الدمار الذي احدثه الانفجار عاد الى السيارة ونظر اليها , كان قد
تحطم زجاجها و تحطمت مقدمتها من الانفجار , ادرك احمد انه قد نجا من الموت بإعجوبة
.
حمل
احمد حقيبته واغراضه وقرر الانسحاب من المكان قبل تنتشر القوات الامنية. وسط
الفوضى انسحب احمد بهدوء بعيدا عن مكان الانفجار , قرر احمد الابتعاد ببطء , كان
احمد يدرك ان منفذيّ التفجير فارس وعزيز الذي لا شك انه كان مسؤولاً عن التفجير قد
ادركا ان الشخص الذي اعترض طريق موكب "الهدف" وأفشل عملية الاغتيال هو
شخص مطلع على العملية ولديه معلومات عنها ولا بد انهما ورئيسهما سيحاولون البحث عنه.
في
الطريق اخرج احمد هاتفه المحمول الذي استخدمه للتبليغ عن السيارة المفخخة واخرج
منه بطاقة الهاتف واتلفها ثم اتلف الهاتف , كان احمد يخشى ان يتم تتبعه والقبض
عليه للتحقيق معه بسبب الابلاغ عن السيارة المفخخة.
سار
احمد على قدميه حاملا حقيبته اليدوية , كان هناك بعض الجروح الطفيفة في يده وفي
وجهه , تجنب احمد المناطق المزدحمة ولجأ لاحد الافرع الجانبية الضيقة والهادئة
وهناك تطلع حوله وتأكد من عدم وجود مراقب فخلع شعره المستعار و الملامح الصناعية
من على وجهه ووضعها في الحقيبة ثم اخرج زجاجة منظف سريع رش منها على يديه ووجهه ,
ثم مسح وجهه بمنديل , رتب شعره ثم انطلق يسير وهو يحرص على ان لا يتبعه احد.
عندما
مر أحمد على مطعم شعبي صغير طلب وجبة فطور سريعة , جلس في المطعم بانتظار الوجبة
واخذ يشاهد شاشة التلفاز التي كانت تعرض أخبار لقناة محلية تنقل مشاهد الانفجار
المروع وشريط الاخبار ينقل عاجلها :
انفجار
كبير في شارع الشجرة ... الانفجار يوقع اكثر من 20 اصابة في حصيلة اولية ... فرق
الاطفاء والدفاع المدني تسرع لمكان الحادث...
تناول
احمد فطوره بسرعة ودخل الى المغاسل وغسل وجهه وحاول ازالة أثر الجروح او الانفجار
عن جسمه وملابسه وتأكد من ان شكله مناسب ولا تبدوا عليه اثار الانفجار ثم انسحب
بهدوء , كانت الساعة تشير الى العاشرة صباحا , استأجر احمد سيارة اجرة الى الفندق.
في
الفندق استكمل احمد ترتيب خططه التي كان يفكر فيها في طريق الرجعة. وبدأ يوضب
امتعته لمغادرة الفندق حيث ادرك ان بقائه فيه قد اصبح خطراً.
فجأة
احس احمد بصوت مفتاح باب الشقة يدور , بسرعة حمل احمد حقيبته اليدوية التي جمع
فيها جوازاته والاجهزة ووضعها على كتفه واسرع الى الصالة وبقفزات سريعة , وقف
بالقرب من الباب , امسك احمد طاولة صغيرة كانت موجودة في الصالة وحملها بكلتا يديه
, ثم أخذ ينظر الى الباب وينتظر. فُتحت الباب بقوة ورأى احمد مسدس كاتم تمسكه
قبضتين تتقدم عبر الباب , انتظر احمد اللحظة المناسبة حين دخل صاحب المسدس بجسده
عبر الباب.
في
تلك اللحظة اطلق احمد مخزون الطاقة القصوى في ذراعيه , ضرب احمد المسلح بالمنضدة
التي يحملها بكل قوته محطما المنضدة ومسقطا المسلح على الارض الذي فقد مسدسه. توسط
جسد المسلح فتحة الباب وتوقع احمد وجود مسلح آخر.
بقي
احمد ممسكا بجزء من الطاولة المتحطمة واتجه ليقفز من فوق جسد المسلح الى خارج
الشقة , في تلك اللحظة شاهد مسلحاً ثانياً موجها مسدسه الكاتم باتجاه وجهه , غطى
احمد وجهه بقطعة المنضدة الخشبية و اندفع باتجاه المسلح الثاني مطلقا بصورة عفوية
صرخة جندي من القوات الخاصة لارعاب العدو.
في
حركته السريعة سمع صوت الاطلاقات المكتومة تنطلق , لكن جسده المندفع استمر باتجاه
المسلح الذي تراجع ليرتطم ظهره بحائط الممر وفي حركة يسارية سريعة وجه احمد ضربة الى
صدر المسلح فرغ فيها طاقة ذراعه اليسرى. ثم انطلق احمد هاربا باقصى سرعة , اتجه
الى السلالم واخذ ينزلها قافزا متجاوزا الدرجات , كانت تفكيره الان مقصورا على
الفرار من اعدائه باقصى سرعة. اثناء تلك الحركات السريعة احس احمد بألم في صدره من
جهة قلبه , تحسس صدره كان قميصه مخروقا
باطلاقتين استقرتا في درعه الواقي الذي يرتديه , ولكن بسبب قرب المسدس الذي اطلقها
من صدره فانهما كانتا تنخزان صدره وتؤلمه , لم يحس احمد في اللحظات الاولى بهذه
الاطلاقات بسبب تركيزه على الافلات من الموت ولكنه مع مرور الوقت بدأ يتحسسهما.
وصل
احمد سريعا الى الطابق الارضي. مشى بهدوء واسرع الى الخارج , سار مبتعدا عن الفندق
واختفى في أحد الشوارع الفرعية ثم استقل اول سيارة اجرة صادفها.
ادرك
احمد ان عملاء فواز استطاعوا بطريقة متطورة من تتبعه وانهم ربما استطاعوا كشف جهاز
التجسس في ساعة اليد التي ارسلها الى فواز ومن ثم وبطريقة ما استطاعوا تتبع جهاز
الاستلام الموجود في هاتفه المحمول او انهم ربما استعملوا نظاما من التصوير
بالاقمار الفضائية مكنتهم من تتبعه اثناء انسحابه من موقع الانفجار وذهابه الى
الفندق.
في
سيارة الاجرة اخرج احمد محموله المميز وضغط عدة مفاتيح سوية ولعدة ثواني وذلك
لتدمير بطاقة الاتصال الموجودة فيه وايقاف جميع العمليات الالكترونية التي قد تستغل
لتتبعه , ثم اغلق الجهاز.
ترك
احمد سيارة الاجرة في منطقة شعبية و اشترى قميص جديدا وهاتفا محمولا صغيرا مع
بطاقة تعريف جديدة.
عن
طريق الجوال الجديد اتصل بحسن:
-
كيف الاحوال ؟
-
بخير وانت ؟
-
اشكو من بعض
الحساسية.
-
هل تناولت
دواء ؟
-
كلا.
-
هل تحتاج ان
اجلب لك دواء ما ؟
-
نعم , احتاج
الى مجموعة.
-
اين التقيك ؟
-
في مطعم
التفاحة.
-
ساتيك في
الرابعة.
-
حسنا , سانتظرك هناك.
-
مع السلامة.
كانت
هذه الرسالة مشفرة متفق عليها بطريقة مسبقة.
لذلك
فقد التقيا بعد ساعة في مول قريب.
كان
احمد قبل وصول حسن قد ارتدى قميصه الجديد في مغاسل المول , وجلس في مقهى صغير
يستطيع ان يراقب فيه بصورة جيدة ما حوله و يستطيع بسهولة ان يميز اي شخص مريب قد
يقترب منه. كتب ما يحتاجه من حسن في ورقة صغيرة بطريقة الرموز.
في
الوقت المحدد انفتح باب المصعد وظهر حسن خارجا من المصعد , ذهب حسن الى طرف ثاني
في الطابق حيث جلس في مطعم و تناول وجبة سريعة فيما سمح ذلك لاحمد لمراقبته ومعرفة
انه غير متبوع.
ثم
تحرك احمد الى المصعد وتحرك بعده حسن ودخل معهم عدد من الشباب , ما ان اغلق المصعد
بابه حتى سلم احمد ورقته خلسةً لحسن.
وما
ان فتح المصعد حتى تفرق الاثنان.
في
عصر ذلك اليوم وفي عاصمة اخرى اجتمع الرئيس مع لواء هاني المشرف عن القوة الضاربة
في اجتماع ثنائي وسري:
-
لواء هاني ,
ماذا حدث في بيروت اليوم ؟
-
سيدي , في
حوالي الساعة الثامنة من صباح اليوم بتوقيت بيروت , حاولت شبكة جاسوسية لدولة
معادية اغتيال الوزير سليم سمحان المرشح لرئاسة الحكومة المقبلة , وقد استطاع رقم 40
افشال العملية بمنع موكب الوزير من المرور في الشارع الذي تم وضع المتفجرات فيه ,
لكن منفذوا العملية قاموا بتفجير المتفجرات بعد علمهم بان العملية فشلت.
-
ما كان هدفهم من الاغتيال ؟
-
سيدي الرئيس ,
كما تعلم الوضع متأزم في بيروت , ولو نجحت عملية الاغتيال فانها كانت ستشعل حربا
اهلية لو قدر الله. ونحن كانت لدينا معلومات مسبقة عن وجود مخطط لتنفيذ جريمة
نوعية في بيروت لذلك نحن منذ مدة نتابع هذه التحركات و قد وجدنا ادلة على رئيس
الشبكة التي حاولت تنفيذ العملية.
-
عمل جيد لواء
هاني ... لا تعطوا فرصة للجواسيس من تدمير بلداننا ... امسكوهم بالادلة واقضوا على
شرورهم.
القبض على الرأس المدبر
في
هذه الاثناء كان فواز في موكبه يسير تحت
ضلال اشجار الارز وضوء الشمس يلامس الاوراق العالية بلطف والشمس تكاد تغيب.
كان
فواز ما زال يقيم الوضع الحالي الذي صار اليه فمنذ اكثر من عشر سنوات لم تفشل له
عملية , والاهم ان عملية اليوم كانت شديدة الاهمية كما انها فشلت بفعل فاعل مجهول
الهوية , هذا معناه انه اصبح مكشوفا وان مسؤوليه في الخارج سيعيدون تقييمه وربما
يستغنون عن خدماته وعند ذاك ماذا سيكون مصيره كانت هذه الافكار تدور وتتشابك في
عقله مسببة القلق له بشكل لم يشعر به منذ زمن طويل.
اثناء
تلك الافكار واثناء استدارة الموكب في احدى المنعطفات بُهت فواز نتيجة صوت عالي و انفجار
يهز سيارة المقدمة ويخرجها عن الطريق ثم تفاجأ بانفجار من الوراء , ضغط السائق
المكابح بعد أن انقلبت سيارة المقدمة على جانب الطريق امامه وسدت الطريق. ثم انفجر
اطار عجلته الامامية , حاول السائق الرجوع لكن انفجار الاطار الخلفي بصورة قوية
اوقفه بالاضافة الى انه شاهد السيارة الثالثة قد انقلبت خلفه وسدت الطريق.
كان
احمد وحسن وحسب الخطة التي وضعها احمد وسلم احتياجاتها الى حسن و وقتَ له موعدها
في تلك الورقة , قد استعدا في منعطف في طريق العودة لبيت فواز. كان الاثنان يحملان
قاذفتين صغيرتين وقد اختفيا وسط الاشجار وعندما عبر الموكب المنعطف وخفف سرعته رما
احمد السيارة الاولى ورما حسن السيارة الاخيرة. استعمل الاثنان مقذوفات ارتجاجية
كافية لقتل اي شخص في تلك السيارتين إلا ان السيارتان كانتا مدرعتين فاصابتا من
فيها ببعض الكسور والجروح غير المميتة. بعد ذلك اطلقا النار على اطارات سيارة فواز
, تقدم احمد وحسن وهما يرتديان قناعين وقد رفعا مسدساتهما الكاتمة باتجاه سيارة فواز
بعد ان تأكدا ان افراد الحماية في السيارتين الاخريين قد تم تحييدهم و استبعاد خطرهم.
تفاجأ
السائق ومرافقه في السيارة بمسدس موجه لوجه كل واحد منهما , هم كل واحد منها
باخراج سلاحه لكن احمد اطلق طلقة تحذيرية على زجاج السيارة الامامي المدرع
فاخترقته كانه قطعة من الورق المقوى , ثم قال احمد :
-
لا نريد قتلكم
, افتحا نافذتيكما و ضعا ايديكما فوق رأسيكما.
ادرك
الحارسان صدق احمد وجديته فالطلقة الخارقة للدروع التي اطلقها تتيح له قتلهما في
الحال بدون ان يحركا ساكنا.
انزلا
نوافذ السيارة و وضعا يديهما فوق رأسيهما فمد احمد وحسن يديهما الاخريان وهما
يحملان جهازا صعق فقاما بصعق الحارسان ثم ضغط احمد مفتاح غلق الابواب.
فتح
حسن الباب القريب من فواز الذي كان يشاهد ما يجري باندهاش مستسلما لما يجري , صعق
حسن فواز وسحبه لخارج السيارة واسرع اليه احمد فساعده في سحبه ثم حملاه من ذراعيه
الى داخل الاشجار حيث كانت سيارتهما تختفي وضعاه في صندوق السيارة بعد كمموا فمه
وغطوه عينيه وشدوا وثاق يديه وقدميه.
ركب
احمد وحسن السيارة بعد ان خلعا قناعيهما , قاد حسن السيارة باتجاه الغرب مبتعدا عن
موقع العملية , لم تستغرق العلمية اكثر من دقيقتين و قاد حسن بهدوء لكي لا يثير
الريبة , كان عليهم الوصول الى شاطىء بيروت بسرعة قبل ينتشر خبر العملية ويبدأ
البحث عن فواز.
وصلت
السيارة الى شاطىء بيروت في منطقة مهجورة وقليلة الحركة , اوقف حسن السيارة و الشمس
قد غربت منذ ربع ساعة. فتح حسن صندوق السيارة ونزل الاثنان من السيارة وفي الصندوق
وضعوا فواز في كيس جلدي شبيه بكيس الجثث , ثم وضعوا باقي الاسلحة والمعدات في
حقيبة جلدية اخرى. ثم وقفا الى جنب السيارة ينظران الى البحر الذي غطته السماء بلون
الشفق الاحمر.
اخرج
احمد جهازا صغيرا وارسل اشارة قصيرة ثم اعاد الجهاز الى جيبه.
-
ما اجمل لبنان
ومنظر البحر.
-
انت لم ترى
سوى بيروت , ولبنان كلها جميلة ولولا الاعداء وما زرعوه في هذا البلد من اعوان
وعملاء لعاش شعبها في اسعد أوقات.
-
الايام
السعيدة قليلة في هذا الزمن.
بعد
دقائق من التأمل والانتظار , لمع قرب المياه ضوء ثم انطفأ عدة مرات في شفرة ضوئية
متفق عليها , ارسل احمد اشارة ضوئية اخرى باتجاه مصدر الضوء.
-
لقد وصلوا.
ثواني
واقترب غواصان مسلحان قادمان من تحت الماء. قال احدهما :
-
ستة , مئتان ,
تسعة.
كانت
هذه كلمة السر فاجاب احمد بالجواب :
-
الف , صفر ,
صفر.
-
هذه ملابسك.
سلم
الغواص احمد بدلة غوص.
-
اين الطرد ؟
-
في صندوق
السيارة.
اقترب
الغواصان من صندوق السيارة وحملا الكيس الجلدي وانطلقا به الى الماء , بينما غير
احمد ملابسه و ارتدى ملابس الغوص.
-
تشرفت بالعمل
معك.
-
وانا كذلك ,
اعتنِ بنفسك.
تصافح
احمد وحسن وسلم احمد مودعا بعد ان حمل الحقيبة الجلدية الأخرى , ولحق بالغواصين.
استقل
حسن السيارة وانطلق مبتعدا.
بعد
دقائق كان الغواصون وطردهم يستقلون عربة مائية تبتعد بهم عن الشاطىء.
بعد
اسابيع قليلة استلمت اجهزة الامن اللبنانية تسجيلات للاعترافات التي ادلى بها فواز
وقوائم باسماء العملاء والشبكات التي ارتبطت بفواز و معظم المعلومات التي اعترف
بها.
تمت
تنبيه:
هذه
القصة من الخيال ولا تمت للواقع بأي صلة والاسماء التي وردت فيها لا تمثل اشخاصا
حقيقيين. مع تحيات المؤلف.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق