الأربعاء، 19 مارس 2014

الحلقة الثالثة من مغامرة مطاردة في الصحراء

الفريق على الارض
كانت ليلة مضلمة صافية اختفى فيها القمر وبانت فيها النجوم لماعة ,  كان الصمت الالكتروني يتضمن اغلاق جميع الاجهزة الالكترونية مخافة ان يتم تحسسها من اجهزة الرصد المعادية لذلك كان استعمال الطرق  القديمة في الاسترشاد بالنجوم هي الطريقة السليمة.
جلس الثلاثة في القارب صامتين متبعين التعليمات الصارمة ولم يكن هناك سوى صوت ازيز محرك القارب الصامت , و الظلام الدامس يحيط بهم والجو تهب فيه نسمة باردة فتسبب لهم القشعريرة.
بعد ساعات من الابحار في غسق الليل وصل القارب الى الشاطىء , تم تفريغ القارب و خلع الثلاثة ملابسهم المضادة للبلل التي كانوا يرتدونها فوق ملابسهم العادية , ارتدوا فوق ملابسهم العادية صداري تحمل اشارات وعلامات تشير للمؤسسة الانسانية التي ينتمون لها , دفن الثلاثة القارب في مكان مميز  يمكن الرجوع اليه عند انتهاء المهمة , كان افراد الفريق يتكلمون بالاشارات وينفذون خطوات كانوا قد اتفقوا عليها وتدارسوها بينهم , في خلال دقيقة حمل كلٌ متاعه وبدأوا بالسير مستعينين بالنظارات الليلية , كانت الخطة تهدف الى الوصول الى طريق معبد سيكون دليلا لهم للوصول الى بلدة "الداخلة" الصغيرة , كانت تلك البلدة قريبة الى البحر وتمتاز بانها سياحية وهادئة و يستطيع فيها الغريب ايجاد ما  يحتاجه من مكان للمأوى والمأكل ففيها فنادق ومطاعم كما فيها مرشدين و سواق و عجلات قوية.
 بدأ الثلاثة خطواتهم في ارض رملية , كانت الاقدام تغوص فيها لترتفع محملة بالرمال مما يجعل السير متعبا وبطيئا , بعد ساعات من المسير بدأ ضوء الفجر يتسلل من الافق واصبحت رؤية الكثبان الرملية واضحة وكان التعب قد بدا على الفريق فاشار "علاء" الى الفريق بالتوقف.
-         لنأخذ استراحة.
جلس الجميع على الارض لاخذ قسطا من الراحة واخرج كل منهم بسكويتا من جيبه اخذ يمضغه ليسد به رمقه .
لم يكون هناك موضوع للحديث اذ ان "علاء" كان مهتما ان يراجع خطوات العملية ويتأكد من انها  تسير وفق المخطط , اما "احمد" فقد كان الامر بالنسبة اليه كأحد التدريبات الروتينية والقاسية التي كان يتدرب عليها بشكل دوري بالرغم ان زمان انتهاء هذا التدريب كان غير معروف.
كانت "نوال" تشعر بالتعب و تُسلي نفسها بان هذا لن يدوم طويلا وان مهمتها ستُنجز ما ان تحصل على عينات الدم الحاوية لهذا المرض الغريب وانها ستعود محققة النجاح الذي تطمح اليه.
-         لنواصل السير.
كانت هذه المفردات هي من ضمن الكلمات القليلة التي قالها "علاء" منذ بدء المهمة.
بعد دقائق من السير , ظهر الطريق فجأةً امامهم , كان هذه هي العلامة الاولى الجيدة منذ بدء الرحلة , كان طريقا معبدا خاليا من الاسيجة الواقية , عرضه يكفي لسير عجلتين , اخرج "علاء" جهازه اللوحي ونظر الى خارطة المنطقة ليتأكد من موقعهم ثم نظر حوله واغلق جهازه واشار الى اتجاه السير.
-         من هنا.
اخذوا يسيرون على حافة الطريق المعبد , اصبح السير اسرع بعد ان تخلصوا من الرمال و ساروا على الطريق.
 كان الطريق ملتويا يمر بين الكثبان الرملية ولا دليل حوله على وجود مناطق آهلة بالسكان على مدى البصر. ولكن دراستهم للمهمة وبياناتها تدل على انهم على مسافة ساعة من السير.
كانت الشمس قد ارتفعت في السماء وبدأت حرارة الجو ترتفع حتى بدأت حرارة الطريق تتسرب الى باطن اقدامهم , فجأة سمعوا صوت سيارة تقترب ..كان الصوت يزداد علوا وسرعان ما تبينوا انه آت من الاتجاه المعاكس , مرت بهم  شاحنة حمل صغيرة ، نظر اليهم السائق مستغربا ومضى في طريقه. كانت نظرة الاستغراب مفهومة اذ يبدوا انه لم يرى اجانب في المنطقة منذ زمن.
بعد دقائق سمعوا صوت سيارة ثانية هذه المرة كان الصوت قادما من خلفهم وقف "علاء" فاستدار الى الخلف ووقف الفريق يتنظر , كانت سيارة صالون صغيرة خالية من سوى السائق , اشار اليه "علاء" بيده ليطلب بها توصيلهم الى المدينة المقبلة , توقفت السيارة واستدار اليهم السائق ونظر اليهم نظرةً فاحصةً مبدياً استغرابه لرؤية مجموعة من الاشخاص الأجانب في هذا المكان من الطريق الصحراوي , بادره "علاء" متحدثا بلكنة كانها اجنبية :-
-         السلام عليكم
رد الرجل السلام.
-         "الداخلة".
ذكر "علاء" اسم المدينة بنفس اللكنة السابقة واشار الى اتجاه المدينة.
-         اركبوا
قالها السائق بلهجة محلية غير واضحة لكن تعابير وجهه واشارة من يده كانت كافية لتدل على انه فهم الطلب ووافق عليه.
ركب "علاء" قرب السائق وركب "احمد" و "نوال" في الخلف بعد ان خلع الجميع حقائبهم من خلف ظهورهم ووضعوها بجانبهم.
شكر "علاء" السائق بالانكليزية واستفهم منه.
-         شكرا .. هل تتكلم الانكليزية ؟
تمتم الرجل ببعض حروف غير مفهومة ولكن تعابير وجهه لم توحي بشيء , واستمر يقود بصمت , التزم الجميع الصمت واستمرت السيارة في طريقها.
بعد دقائق بدت اطراف المدينة الصغيرة تتراءى ولم تلبث دقائق حتى كانوا يدخلون المدينة , كان هذا الطريق هو الشارع الرئيسي وقد توزعت على جانبيه محلات صغيرة للبقالة والمواد الغذائية .
-         هل هناك "هوتيل" ؟
تكلم علاء الانكليزية ولكنه ردد كلمة "هوتيل" بالانكليزية والفرنسية لعل السائق يفهم مراده , تكلم السائق بجملة طويلة فهموا منها بضع كلمات عرفوا منها انه فهم مرادهم.
لم يكاد السائق ينهي كلامه حتى بدت لافتة كبيرة الى جانب الطريق تشير الى فندق توقف السائق قربها , كان على جانب الطريق فندق صغير مكون من طابقين له واجهة انيقة , اشار السائق الى الفندق ليؤكد لهم انه اوصلهم الى مقصدهم.
نزل الثلاثة و اخرج "علاء" بضع دولارات واعطاها الى السائق الذي حاول رفضها ولكن "علاء" وضعها له في جيبه و شكر السائق "علاء" ثم انطلق. حمل الثلاثة اغراضهم وقبل ان يصلوا الى باب الفندق انفتحت الباب وخرج رجل يلبس بزة انيقة تفاجأ بها الفريق مع لهجة عربية واضحة "اهلا وسهلا" و اضاف كلمة "مرحبا " بالانكليزية والفرنسية. رد "علاء" و "احمد" التحية بالانكليزية فيما اسرع الرجل بأخذ الحقائب من يد "علاء" و "نوال" , استسلم الاثنان لسرعة الرجل واستمر يرحب بهم بالانكليزية بعد ان ادرك ان هذه لغتهم واخذهم الى الداخل , ما ان عبروا الباب حتى اسرع الحمال فاخذ الحقائب من الرجل الذي سلمها له واشار اليهم ذو البزة الى غرفة صغيرة.
-         اهلا بكم في فندقي , فندق "المرجان".
قال ذو البزة بعد ان جلس خلف المكتب الصغير الموجود في الغرفة وجلس الثلاثة على الكراسي المقابلة.
-         اسمي السيد "صالح" وانا مالك الفندق .. ارجو ان تتمتعوا بالاقامة في فندقي.
-         نشكرك على طيب الاستقبال.
-         هل انتم سياح ؟
-         كلا , نحن فريق تابع لمنظمة طبية انسانية.
-         اهلا بكم في اقليم الساحل الغربي .. ارجو ان تروني جوازاتكم لاسجل اسمائكم .. تعلمون انه اجراء روتيني.
اخرج الثلاثة جوازاتهم وسلموها الى "صالح" الذي فتح حاسوبه واخذ ينقل بعض البيانات من كل جواز على حدة.
اخرج "علاء" من جيب قميصه دليلا يحوي معلومات تعريفية عن المنظمة الانسانية وعن نشاطاتها المختلفة , واعطاها ل"صالح" الذي نظر بسرعة اليها وهو يعيد الجوازات الى الثلاثة.
-         لقد اهتمت منظمتنا باخبار انتشار وباء في الاقليم , وارسلتنا لمعرفة مدى انتشار الوباء... هل يوجد مصابين في هذه البلدة.
-         لا اعرف حقيقةً ولكن حسب معلوماتي لا يوجد وباء في البلدة.
طلب "علاء" جناحين احداها له و ل"احمد" والثاني ل"نوال" وطلب وجبة غداء مشبعة , ادرك الفريق ان الفندق فارغ بسبب ظروف المنطقة و علموا من "صالح" انه كان سابقا يعج بالسياح , صعد الثلاثة الى غرفهم ومعهم الحمال , ما ان خرج الحمال حتى مدد "احمد" جسمه على الفراش فيما قام "علاء" بدورة سريعة في الجناح مدققا بنظرة فاحصة في اركانها وفي الاثاث والجدران خوفا من وجود اجهزة تجسس او مراقبة ثم اخرج هاتفه المحمول الذي هو عبارة عن مجموعة من الاجهزة المدمجة والمموهة بشكل هاتف , شغل "علاء" الجهاز وفعّل نظام كشف اجهزة التجسس واخذ يدور به في ارجاء الغرف , كانت النتيجة سالبة , ثم القى نظرة شاملة من النافذة قبل ان يجلس للراحة.
كانت الساعة الثانية عشر ظهراً عندما نزل "علاء" و "احمد" الى مطعم الفندق الصغير كان الفندق خاليا الا من مدير الفندق وبواب الفندق ما ان رآهم صاحب الفندق حتى اسرع اليهم فاستفسر منهم فطلب "علاء" منه وجبة الغذاء لهما في المطعم و وجبة للدكتورة في غرفتها.
كان "علاء" يتكلم مع ابتسامة عريضة , وبدا اكثر مرحا مما كان سابقا كأن ذلك كان جزء من اسلوب تنكره.
بينما اسرع المدير الى الخادم ليستعجل الطلبات بينما جلس الاثنان الى مائدة في طرف المطعم.
"علاء"- من الجيد انه مطعم خالي وهادي.
-         ولكن الا يشعرك ذلك باننا اصبحنا محط اهتمام المدير ؟
-         ذلك هو الامر السيء , لا بد اننا الغرباء الوحيدين في البلدة ولا بد ان خبر وصولنا قد انتشر.
-         هذه البلدة تبدوا هادئة وبعيدة عن مناطق الصراع.
-         عندما يأتي المدير سأجلسه معنا واحاول معرفة المزيد منه.
بعد قليل جاء المدير وبرفقته الخادم وهو يحمل قسم من الاطعمة التي طلبوها ووضعها على طاولتهم.
-         ستجهز الوجبة بعد قليل.
-         ارجو ان تنظم الينا.
اعتذر الرجل ظانا انه قد ارتكب خطأً ولكن علاء استدرك الامر وبين له ان كل شيء على ما يرام فجلس الرجل.
-         سيد "صالح" , نحن نود ان نتعرف على الوضع الانساني والصحي في الاقليم ولابد انه لديك معلومات عامة تستطيع ان تفيدنا بها.
-         كما ترى سيدي , نحن منطقة فقيرة وكنا نعتمد على السياحة وعلى حركة النقل بين الموانىء والشمال و على حركة المسافرين والشاحنات من الحدود الجنوبية وبالعكس .. وعندما انفرض الحصار انقطعت هذه الموارد وارتفعت الاسعار وقلت البضاعة واصبح الحصول على النقود والطعام صعبا لذلك هاجر كثير من الناس الى جنوب البلاد والى الدول المجاورة .. اما الادوية فقد ارتفعت اسعارها واصبحت نادرة .. ثم بدأنا نسمع انتشار الوباء في المدن الاخرى وان هناك من بدأ يموت نتيجته .. ونحن نعيش بامل ان تُحل الازمة بسرعة والا فقد نضطر الى الهجرة ايضا.
-         هل هناك فرق طبية أو اغاثة في الاقليم.
-         لا اعلم يا سيدي ولكن ازدياد شراسة المعارك جعلت جميع البعثات والاجانب يغادرون المنطقة خوفا على حياتهم.
-         هل لديكم مستشفى او مستوصف في هذه البلدة.
-         لدينا مستوصف صغير ولكنه تحول الى مستشفى بسبب الحصار وعدم وجود مكان آخر لاجراء عمليات الولادة او العمليات الطارئة.
-         هل نستطيع ايجاد سيارة لاستأجارها مع سائقها.
-         طبعا .. متى تحتاجونها.
نظر علاء الى ساعة يده بسرعة ثم قال:
-         هل تستطيع ان تجهزها في الثالثة بعد ظهر اليوم.
-         ان شاء الله.
شكر "علاء" "صالح" واستأذن "صالح" وانسحب بادب.

اكمل "علاء" و "احمد" غداءهما وصعدا الى غرفة "نوال" , طرق "علاء" الباب ففتحت "نوال" الباب واخبرها بما اتفق عليه مع مدير الفندق وموعد قدوم السائق.

ليست هناك تعليقات: