الأربعاء، 9 مارس 2016

لا تكن إمعة

لا تكن إمعة

لا تتقمص شخصية غيرك ولا تذُب في الآخرين. إن هذا هو العذاب الدائم ، وكثيرٌ هم الذين ينسون أنفسهم وأصواتِهم وحركاتِهم ، وكلامَهم ، ومواهبهم ، وظروفهم ، لينصْهرُوا في شخصيِّات الآخرين ، فإذا التكلّفُ والصَّلفُ ، والاحتراقُ ، والإعدامُ للكيان وللذَّات.
من آدم إلى آخر الخليقة لم يتفق اثنانِ في صورةٍ واحدةٍ ، فلماذا يتفقون في المواهبِ والأخلاق .
أنت شيءٌ آخرُ لم يسبق لك في التاريخِ مثيلٌ ولن يأتي مثُلك في الدنيا شبيه .
أنت مختلف تماماً عن زيد وعمرو فلا تحشرْ نفسك في سرداب التقليد والمحاكاة والذوبان .
انطلق على هيئتك وسجيَّتك (( قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ )) ، (( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ )) عشْ كما خلقت لا تغير صوتك ، لا تبدل نبرتك ، لا تخالف مشيتك ، هذب نفسك
بالوحي ، ولكن لا تلغِ وجودك وتقتل استقلالك.
أنت لك طعم خاص ولون خاص ونريدك أنت بلونك هذا وطعمك هذا ؛ لأنك خلقت هكذا وعرفناك هكذا ((لا يكن أحدكم إمَّعة)) .
إنَّ الناس في طبائعهمْ أشبهُ بعالمِ الأشجارِ : حلوٌ وحامضٌ ، وطويلٌ وقصيرٌ ، وهكذا فليكونوا. فإن كنت كالموزِ فلا تتحولْ إلى سفرجل ؛ لأن جمالك وقيمتك أن تكون موزاً ، إن اختلاف ألوانِنا وألسنتِنا ومواهبِنا وقدراتِنا آيةٌ منْ آياتِ الباري فلا تجحد آياته .

الثلاثاء، 8 مارس 2016

قالوا في الصبر

قال علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ : الصبر ثلاثة : صبر على المصيبة و صبر على الطاعة و صبر عن المعصية فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب له ثلثمائة درجة و من صبر على الطاعة كتب له ستمائة درجة و من صبر عن المعصية كتب له تسعمائة درجة
و قال ميمون بن مهران : الصبر صبران : فالصبر على المصيبة حسن و أفضل منه الصبر عن المعصية
و قال الجنيد و قد سئل عن الصبر فقال : هو تجرع المرارة من غير تعبس
و قال الفضيل بن عياض : في قوله تعالى : { سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } ثم قال : صبروا على ما أمروا به و صبروا عما نهوا عنه انتهى كلامه فكأنه ـ رحمه الله ـ جعل الصبر عن المعصية داخلا في قسم المأمور به
قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع عن مالك بن مغول عن أبي السفر قال : مرض أبو بكر فعادوه فقالوا : ألا ندعو لك الطبيب ؟ فقال : قد رآني الطبيب قالوا : فأي شيء قال لك ؟ قال : إني فعال لما أريد
قال أحمد : حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مجاهد قال : قال عمر بن الخطاب : وجدنا خير عيشنا بالصبر و في رواية : أفضل عيش أدركناه بالصبر و لو أن الصبر كان من الرجال كان كريما
و قال علي بن أبي طالب : ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا قطع الرأس بار الجسد ثم رفع صوته فقال : ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له
و قال الحسن : الصبر كنز من كنوز الخير لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده
و قال عمر بن عبد العزيز : ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه فعاضها مكانها الصبر إلا كان ما عوضه خيرا مما انتزعه منه
و قال بعض العارفين في رقعة يخرجها كل وقت فينظر فيها و فيها مكتوب { و اصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا }
و قال مجاهد في قوله تعالى : { فصبر جميل } : في غير جزع
و قال عمروبن قيس { فصبر جميل } قال : الرضا بالمصيبة و التسليم
و قال حسان : { فصبر جميل } : لا شكوى فيه و قال همام عن قتادة في قول الله تعالى : { و ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم } قال : كظيم على الحزن فلم يقل إلا خيرا و قال الحسن : الكظيم : الصبور و قال الضحاك : كظيم الحزن
و قال عبد الله بن المبارك : أخبرنا عبد الله بن لهيعة عن عطاء ابن دينار أن سعيد بن جبير قال : الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منهو احتسابه عند الله
قال يونس بن زيد : سألت ربيعة بن أبي عبد الرحمن : ما منتهى الصبر ؟ قال : أن يكون يوم تصيبه المصيبة مثله قبل أن تصيبه
و قال قيس بن الحجاج في قوله تعالى : { فاصبر صبرا جميلا } قال : أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يعرف من هو

و ذكر أبو الفرج بن الجوزي في عيون الحكايات : قال الأصمعي : خرجت أنا و صديق لي إلى البادية فضللنا الطريق فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق فقصدناها فسلمنا فإذا امرأة ترد علينا السلام قالت : ما أنتم ؟ قلنا : قوم ضالون عن الطريق أتيناكم فأنسنا بكم فقالت : يا هؤلاء و لو وجوهكم عني حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل ففعلنا فألقت لنا مسحا فقالت : اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني ثم جعلت ترفع طرف الخيمة و تردها إلى أن رفعتها فقالت : أسأل الله بركة المقبل أما البعير فبعير ابني و أما الراكب فليس بابني فوقف الراكب عليها فقال : يا أم عقيل أعظم الله أجرك في عقيل قالت : ويحك ! مات ابني ؟ قال : نعم قالت : و ما سبب موته ؟ قال : ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر فقالت : انزل فاقض ذمام القوم و دفعت إليه كبشا فذبحه و أصلحه و قرب إلينا الطعام فجعلنا نأكل و نتعجب من صبرها فلما فرغنا خرجت إلينا و قد تكورت فقالت : يا هؤلاء هل فيكم من أحد يحسن من كتاب الله شيئا ؟ قلت : نعم قالت : اقرأ من كتاب الله آيات أتعزى بها قلت : يقول الله عز و جل في كتابه : { وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } قالت : آلله إنها لفي كتاب الله هكذا ؟ قلت : آلله إنها لفي كتاب الله هكذا ! قالت : السلام عليكم ثم صفت قدميها وصلت ركعات ثم قالت : { إنا لله و إنا إليه راجعون } عند الله أحتسب عقيلا تقول ذلك ثلاثا اللهم إني فعلت ما أمرتني به فأنجز لي ما وعدتني .


الأحد، 6 مارس 2016

بين العز بن عبد السلام و نجم الدين أيوب ... مواقف شجاعة

بين العز بن عبد السلام ونجم الدين أيوب
كان لمماليك الأراك نفوذ في الدولة الاسلامية في أواخر حكم العباسيين, وامتد نفوذهم حتى أصبحوا امراء في الدولة أيام حكم نجم الدين أيوب في مصر, وكان الشيخ العز قاضيا للقضاة فيها, وقام_ رحمه الله_ مصلحا لأمر القضاء منفذا بحزم أحكام الشرع, لا تأخذه في ذلك لومة لائم, فنظر في حقيقة قضية أولئك الأمراء التي أثارها هو ثم أصدر قضاءه الآتي:
قال السبكي: ذكر كائنة الشيخ مع أمراء الدولة من الأتراك وهو جماعة, ذكروا أن الشيخ لم يثبت عنده أنهم أحرار وأن حكم الرق مستصحب عليهم لبيت مال المسلمين. فبلغهم ذلك, فعظم الخطب فيه واحتدم الأمر, والشيخ مصمم لا يصحح لهم بيعا ولا شراء ولا نكاحا, وتعطلت مصالحهم بذلك, وكان من جملتهم نائب السلطنة فاشتاط غضبا واجتمعوا وأرسلوا اليه.


فقال: نعقد لكم مجلسا وينادى عليكم لبيت مال المسلمين ويحصل عتقكم بطريق شرعي, فرفعوا الأمر الى السلطان, فبعث اليه فلم يرجع فجرت من السلطان كلمة فيها غلظة, حاصلها الانكار على الشيخ في دخوله في هذا الأمر, وأنه لا يتعلّق به, فغضب الشيخ وحمل حوائجه على حمار, وأركب عائلته على حمير أخرى, ومشى خلفهم من القاهرة قاصدا الشام فلم يصل الى نحو نصف بريد حتى لحقه غالب المسلمين, لم تكد امرأة ولا صبي ولا رجل لا يؤبه له يتخلف, ولا سيما العلماء والصلحاء والتجار وأنحاؤهم, فبلغ السلطان الخبر, وقيل له متى راح ذهب ملكك قبله, فرجع واتفق معه على أن ينادى على الأمراء فأرسل نائب السلطنة بالملاطفة, فلم يفد فيه, فانزعج النائب.
فقال: كيف ينادي علينا هذا الشيخ ويبيعنا ونحن ملوك الأرض؟ والله لأضربنّه بسيفي هذا.
فركب بنفسه في جماعة, وجاء الى بيت الشيخ والسيف مسلول في يده, فطرق الباب, فخرج ولد الشيخ.. فرأى من نائب السلطنة ما رأى فعاد الى أبيه وشرح له الحال, فما اكترث لذلك ولا تغيّر.
وقال: يا ولدي أبوك أقلّ من أن يقتل في سبيل الله, ثم خرج كأنه قضاء الله قد نزل على نائب السلطنة, فحين وقع بصره على النائب وسقط السيف منها ارتعدت مفاصله, فبكى وسأل الشيخ أن يدعو له, وقال: يا سيدي, خير أي شيء تعمل؟.
قال: أنادي عليكم وأبيعكم.
قال: ففيم تصرف ثمنا؟.
قال: في مصالح المسلمين.
قال: من يقبضه؟.

قال: أنا. فتمّ له ما أراد ونادى على الأمراء واحدا واحدا وغالى في ثمنهم وقبضه وصرفه في وجوه الخير _ وهذا لم يسمع قبله أحد رحمه الله ورضي عنه.
(الاسلام بين العلماء والحكام 197).

الجمعة، 4 مارس 2016

ابداع الخالق

http://img.mazyun.com/eTgMtDB7UNzt0YVkvExyNmUqaSM=/646x400/smart/http://harmony-assets-live.s3.amazonaws.com/image_source/b1/74/b174cb3b5ba3ae68697449e3001ef6e901c0885b.jpg

لا تيأس من روح الله

لا تيأس من روح الله
يبين إيمان المؤمن عند الإبتلاء فهو يبالغ في الدعاء و لا يرى أثرا للإجابة و لا يتغير أمله و رجاؤه و لو قويت أسباب اليأس لعلمه أن الحق أعلم بالمصالح
أو لأن المراد منه الصبر أو الإيمان فإنه لم يحكم عليه بذلك إلا و هو يريد من القلب التسليم لينظر كيف صبره أو يريد كثرة اللجأ و الدعاء
فأما من يريد تعجيل الإجاية و يتذمر إن لم تتعجل فذاك ضعيف الإيمان يرى أن له حقا في الإجابة كأنه يتقاضى أجرة عمله
أما سمعت قصة يعقوب عليه السلام : بقي ثمانين سنة في البلاء و رجاؤه لا يتغير فلما ضم إلى فقد يوسف بنيامين لم يتغير أمله و قال : [ عسى الله أن يأتيني بهم جميعا ]
و قد كشف هذا المعنى قوله تعالى : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و لما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء و الضراء و زلزلوا حتى يقول الرسول و الذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب }
و معلوم أن هذا لا يصدر من الرسول و المؤمنين إلا بعد طول البلاء و قرب اليأس من الفرج
و من هذا قول رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل قيل له : و ما يستعجل ؟ قال : يقول : دعوت فلم يستجب لي ]
فإياك إياك أن تستطيل زمان البلاء و تضجر من كثرة الدعاء فإنك مبتلى بالبلاء متعبد بالصبر و الدعاء و لا تيأس من روح الله و إن طال البلاء .

من كتاب صيد الخاطر لابن الجوزي

الخميس، 3 مارس 2016

لماذا لا يستجيب الله لنا ؟!

قال شقيق بن إبراهيم: مر إبراهيم بن أدهم في أسواق البصرة فاجتمع الناس إليه، فقالوا له: يا أبا إسحاق أن الله تعالى يقول في كتابه: " ادعوني أستجب لكم " .غافر . ونحن ندعوه منذ دهر فلا يستجيب لنا، قال: فقال إبراهيم: يا أهل البصرة ماتت قلوبكم في عشرة أشياء: أولها: عرفتم الله و لم تؤدوا حقه، الثاني: قرأتم كتاب الله و لم تعملوا به، والثالث: ادعيتم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركتم سنته، والرابع: ادعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه، والخامس: قلتم نحب الجنة و لم تعملوا لها، والسادس: قلتم نخاف النار ورهذهتم أنفسكم بها، والسابع: قلتم أن الموت حق و لم تستعدوا له، والثامن: اشتغلتم بعيوب إخوأنكم ونبذتم عيوبكم، والتاسع: أكلتم نعمة ربكم و لم تشكروها، والعاشر: دفنتم موتاكم و لم تعتبروا بهم.

سأل شريك إبراهيم بن أدهم عما كان بين علي ومعاوية فأجاب !

عن شريكاً قال : سألت إبراهيم بن أدهم عما كان بين علي ومعاوية فبكى، فندمت على سؤالي إياه، فرفع رأسه، فقال: أنه من عرف نفسه اشتغل بنفسه، ومن عرف ربه اشتغل بربه عن غيره.

من كتاب حلية الاولياء