عن
عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن أبا سفيان بنَ حربٍ رضي الله عنهُ أخبرَهُ
أنَّ هِرقلَ أرسلَ إليهِ في رَكْبٍ مِنْ قُريشٍ ، و كانوا تجاراً في المدةِ التي
كان رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ و سلّم مادَّ فيها أبا سُفيانَ و كُفَّارَ قُريشٍ
فأتَوهُ و هُم بإيلياءَ [ بيت المقدس ] فدعاهُم إلى مجلسهِ و حولَهُ عُظماءُ
الرومِ ، ثُمَّ دَعاهُم و دعا بِتَرجُمانهِ فقالَ أيُّكم أقربُ نسباً بِهذا
الرَّجُلِ الذي يَزعُمُ أنَّهُ نبيٌّ ؟ فقال أبو سُفيانَ :
بسم الله الرحمن
الرحيم
مِنْ
مُحمدٍ عبدِ اللهِ و رَسولهِ إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّوم . سَلامٌ على مَنِ
اتَّبَعَ الهُدَى . أمّا بعدُ فإنِّي أدْعُوكَ بدِعايةِ الإسْلام ، أسْلِمْ
تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتين . فانْ تَوَلَّيْتَ فانَّ عليكَ إِثمَ
الأرِيسِيين ) و يا أهلَ الكِتابِ تعالَوْا إلى كلمةٍ
سواءٍ بينَنا و بَبينَكم أنْ لا نَعبُدَ إلا اللهَ و لا نُشْرِكَ بهِ شيئاً و لا
يَتَّخِذَ بعضُنا بعضاً أرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ ، فانْ تَوَلَّوا فقولوا
اشهَدُوا بأنّا مسلمون ( )).
قال
أبو سُفيانَ : فلما قال ما قال ، و فَرَغَ مِنْ قِراءةِ الكتاب ، كَثُرَ عندَهُ
الصَّخَبُ ، وارتفعتِ الأصواتُ ، و أُخْرِجنا . فقلتُ لأصحابي حين أُخرِجنا : لقد
أَمِرَ أمرُ ابنِ أبي كَبْشَة [ ظهر و عظُم أمر الرسول صلى اللهُ عليهِ و سلّم ]
، إنه يَخافُه مَلِكُ بني الأصفَرِ . فما
زلتُ مُوقِناً أنه سيَظهرُ حتى أدخَلَ اللهُ عليّ الإسلام ، و كان ابنً الناطورِ –
صاحبُ إيلياء و هِرقل – سُقُفَّاً على نصارى الشامِ يُحدِّثُ أنَّ هِرقلَ حين
قَدِمَ إيلياء أصبحَ يوماً خبيثَ النفسِ ،
فقالِ بعضُ بطارِقَتِه : قدِ استنكرنا هيئتك . قال ابنُ الناطورِ : و كان
هرقلُ حزَّاءً ينظُرُ في النجومِ ، فقال
لهم حين سألوهُ : إني رأيتُ الليلةَ حينَ نظرتُ في النجومِ مَلِكَ الخِتانِ قد
ظهرَ ، فمنْ يختتِنُ من هذه الأمَّة ؟ قالوا : ليسَ يختتِنُ إلا اليهودُ ، فلا
يُهِمنكَ شأنُهم ، و اكتُبْ إلى مدائنِ مُلكِكَ فيقتُلوا مَنْ فيهم مِنَ اليهود .
فبينما هم على أمرِهم أُتيَ هرقلُ برَجُلٍ أرسلَ به مَلِكُ غسّانَ يُخبِرُ عن
خَبرِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلّم . فلما أستخبرَهُ هرقلُ قال : اذهَبوا
فانظروا أمُختَتِنٌ هوَ أم لا ؟ فنظروا إليه ، فحدَّثوه أنه مُختَتِن، و سأله عنِ العربِ فقال : هم يُختتِنون . فقال
هرقل : هذا مُلكُ هذه الأمَّةِ قد ظهر. ثمَّ كتب هرقلُ إلى صاحبٍ له برُومِيَة [
روما ] ، و كانَ نظِيرَهُ في العلم . و سارَ هرقلُ إلى حِمصَ حتى أتاهُ كتابٌ مِن
صاحبهِ يُوافِقُ رَأيَ هرقلَ على خُروجِ النبيَّ صلى اللهُ عليهِ و سلّم و أنهُ
نبيٌّ . فأذِنَ هرقلُ لعُظماءِ الرُّوم في دَسْكَرَةٍ [ حِصن ] له بحِمصَ ،
ثم أمرَ بأبوابها فغُلِّقَتْ ، ثم اطَّلعَ
فقال : يا معشرَ الرُّوم ، هلْ لكُم في الفلاحِ و الرُّشدِ و أن يَثبُتَ مُلكُكم
فتُبايعوا هذا النبيَّ ؟ فحاصًوا حَيصَةَ حُمُرِ الوحشِ إلى الأبواب فوجدوها قد
غُلِّقَتْ ، فلمّا رأى هرقلُ نفرتهُم و أيِسَ مِنَ الإيمان قال : رُدُّوهم عليَّ .
و قال : إنِّي قلتُ مقالتي آنفاً أختبرُ بها شِدَّتَكم على دِينِكم ، فقد رَأَيتُ . فسجدوا له و رَضوا عنه ، فكان
ذلكَ آخِرَ شأنِ هرقلَ .[1]
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق