الأحد، 13 أبريل 2014

هرقل والاسلام


عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن أبا سفيان بنَ حربٍ رضي الله عنهُ أخبرَهُ أنَّ هِرقلَ أرسلَ إليهِ في رَكْبٍ مِنْ قُريشٍ ، و كانوا تجاراً في المدةِ التي كان رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ و سلّم مادَّ فيها أبا سُفيانَ و كُفَّارَ قُريشٍ فأتَوهُ و هُم بإيلياءَ [ بيت المقدس ] فدعاهُم إلى مجلسهِ و حولَهُ عُظماءُ الرومِ ، ثُمَّ دَعاهُم و دعا بِتَرجُمانهِ فقالَ أيُّكم أقربُ نسباً بِهذا الرَّجُلِ الذي يَزعُمُ أنَّهُ نبيٌّ ؟ فقال أبو سُفيانَ :
 فقُلتُ أنا أقرَبُهم نسَباً . فقال : أَدنوهُ مني ، و قرِّبوا أصحابَهُ فاجعلوهُم عند ظهرهِ . ثمَّ قال لترجُمانهِ : قُلْ لهمْ إنَّي سائِلٌ هذا الرَّجُلَ ، فان كذبَني فكذبِوه . فَو اللهِ لولا الحَياءُ مِنْ أنْ يأثِرُوا عَلَيَّ كَذِباً لكَذبْتُ عنهُ [ عليهِ ] . ثُمَّ كانَ أّوَّلَ ما سألني عنهُ أنْ قال : كيفَ نسَبُهُ فيكم ؟ قلتُ هوَ فينا ذا نسب . قال فهل قال هذا القولَ منكم أحدٌ قطُّ قبله ؟ قلتُ لا . قال فهل كان مِن آبائهِ مِنْ مِلكٍ ؟ قلتُ لا . قال : فأشرافُ الناسِ يَتَّبعونهُ أم ضُعَفاؤُهُم ؟ فقلتُ : بَل ضُعفاؤهم . قال : أيَزِيدونَ أم ينقُصون ؟ قلتُ : بَل يَزِيدون . قال فهل يرتدُّ أحدٌ منهم سَخطَةً لدِينِهِ بعد أنْ يدخُلَ فيهِ ؟  قلتُ لا . قال فهل يغدِرُ ؟ قلتُ : لا ، ونحنُ منهُ في مُدَّةٍ لا ندرِي ما هو فاعِلُ فيها . قال و لم تُمْكِنِّي كِلمةٌ أُدخِلُ فيها غيرُ هذه الكلمة . قال فهل قاتلتموهُ ؟ قلتُ نعم . قال فكيفَ كان قِتالُكم إيَّاهُ ؟ قلتُ : الحربُ بيننَا وبينَهُ سِجالٌ ، ينالُ منا و ننالُ منه . قال : ماذا يَأمُرُكم ؟ قلتُ يَقولُ اعبُدُوا اللهَ وحدهُ و لا تُشرِكوا بهِ شيئاً ، و اتركوا ما يقولُ آباؤُكم . ويأمُرنا بالصلاةِ و الصدقِ و العَفافِ و الصِّلة . فقال للترجمان : قل له سألتُكَ عن نسبهِ فذكرتَ أنه فيكم ذو نسب ، فكذلك الرُّسُل تُبعثُ في نسبِ قومِها . و سألتُكَ هل قال أحدٌ منكم هذا القولَ ؟ فذكرتَ أن لا ، فقلتُ لو كانَ أحدٌ قال هذا القولَ قبلَهُ لقُلتُ رَجلٌ يَأتسي بقولٍ قيلَ قبلَه . و سألتُكَ هل كان مِن آبائهِ مِنْ مِلكٍ ؟ فذكرتَ أن لا ، قلتُ فلو كان مِن آبائهِ مِنْ مِلكٍ قلتُ رجلٌ يطلُبُ مُلكَ أبيهِ . و سألتُكَ هل كنتم تتِّهمونَهُ بالكذِبِ قبلَ أن يقولَ ما قالَ ؟ فذكرتَ أن لا ، فقد أعرفُ أنَّهُ لم يكن لِيَذَرَ الكذِبَ على الناسِ و يكذِبَ على الله . و سألتُكَ هلْ يغدِرُ ؟ فذكرتَ أن لا ، و كذلك الرُّسُلُ لا تغدِرُ . و سألتُكَ بما يَأمُرُكم ؟ فذكرتَ أنه يَأمُرُكم أن تَعبُدُوا اللهَ و لا تُشرِكوا بهِ شيئاً و ينهاكم عن عِبادِة الأوثانِ ويأمُرُكم بالصلاةِ و الصِّدقِ و العَفافِ ، فان كان ما تقولُ حقا فسَيملِكَ موضِعَ قَدَميَّ هاتَين. و قد كنتُ أعلمُ أنه خارجٌ لم أكُنْ أَظُنُّ أنه منكم ، فلو أنِّي أعلَمُ أنِّي أخلُصُ أليه لتجشَّمْتُ لِقاءَه ، و لو كنتُ عندَهُ لَغَسَلتُ عن قدَمِه. ثمَّ دعا بِكتابِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ و سلّم الَّذي بعثَ بهِ دِحْيَةُ إلى عظيمِ بُصرَى ، فدَفَعَه إلى هِرقل ،  فقرأهُ ، فإذا فيه ((
بسم الله الرحمن الرحيم
مِنْ مُحمدٍ عبدِ اللهِ و رَسولهِ إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّوم . سَلامٌ على مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى . أمّا بعدُ فإنِّي أدْعُوكَ بدِعايةِ الإسْلام ، أسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتين . فانْ تَوَلَّيْتَ فانَّ عليكَ إِثمَ الأرِيسِيين ) و يا أهلَ الكِتابِ تعالَوْا إلى كلمةٍ سواءٍ بينَنا و بَبينَكم أنْ لا نَعبُدَ إلا اللهَ و لا نُشْرِكَ بهِ شيئاً و لا يَتَّخِذَ بعضُنا بعضاً أرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ ، فانْ تَوَلَّوا فقولوا اشهَدُوا بأنّا مسلمون (  )).
قال أبو سُفيانَ : فلما قال ما قال ، و فَرَغَ مِنْ قِراءةِ الكتاب ، كَثُرَ عندَهُ الصَّخَبُ ، وارتفعتِ الأصواتُ ، و أُخْرِجنا . فقلتُ لأصحابي حين أُخرِجنا : لقد أَمِرَ أمرُ ابنِ أبي كَبْشَة [ ظهر و عظُم أمر الرسول صلى اللهُ عليهِ و سلّم ] ،  إنه يَخافُه مَلِكُ بني الأصفَرِ . فما زلتُ مُوقِناً أنه سيَظهرُ حتى أدخَلَ اللهُ عليّ الإسلام ، و كان ابنً الناطورِ – صاحبُ إيلياء و هِرقل – سُقُفَّاً على نصارى الشامِ يُحدِّثُ أنَّ هِرقلَ حين قَدِمَ إيلياء أصبحَ يوماً خبيثَ النفسِ ،  فقالِ بعضُ بطارِقَتِه : قدِ استنكرنا هيئتك . قال ابنُ الناطورِ : و كان هرقلُ حزَّاءً ينظُرُ في النجومِ ،  فقال لهم حين سألوهُ : إني رأيتُ الليلةَ حينَ نظرتُ في النجومِ مَلِكَ الخِتانِ قد ظهرَ ، فمنْ يختتِنُ من هذه الأمَّة ؟ قالوا : ليسَ يختتِنُ إلا اليهودُ ، فلا يُهِمنكَ شأنُهم ، و اكتُبْ إلى مدائنِ مُلكِكَ فيقتُلوا مَنْ فيهم مِنَ اليهود . فبينما هم على أمرِهم أُتيَ هرقلُ برَجُلٍ أرسلَ به مَلِكُ غسّانَ يُخبِرُ عن خَبرِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلّم . فلما أستخبرَهُ هرقلُ قال : اذهَبوا فانظروا أمُختَتِنٌ هوَ أم لا ؟ فنظروا إليه ، فحدَّثوه أنه مُختَتِن،  و سأله عنِ العربِ فقال : هم يُختتِنون . فقال هرقل : هذا مُلكُ هذه الأمَّةِ قد ظهر. ثمَّ كتب هرقلُ إلى صاحبٍ له برُومِيَة [ روما ] ، و كانَ نظِيرَهُ في العلم . و سارَ هرقلُ إلى حِمصَ حتى أتاهُ كتابٌ مِن صاحبهِ يُوافِقُ رَأيَ هرقلَ على خُروجِ النبيَّ صلى اللهُ عليهِ و سلّم و أنهُ نبيٌّ . فأذِنَ هرقلُ لعُظماءِ الرُّوم في دَسْكَرَةٍ [ حِصن ] له بحِمصَ ، ثم  أمرَ بأبوابها فغُلِّقَتْ ، ثم اطَّلعَ فقال : يا معشرَ الرُّوم ، هلْ لكُم في الفلاحِ و الرُّشدِ و أن يَثبُتَ مُلكُكم فتُبايعوا هذا النبيَّ ؟ فحاصًوا حَيصَةَ حُمُرِ الوحشِ إلى الأبواب فوجدوها قد غُلِّقَتْ ، فلمّا رأى هرقلُ نفرتهُم و أيِسَ مِنَ الإيمان قال : رُدُّوهم عليَّ . و قال : إنِّي قلتُ مقالتي آنفاً أختبرُ بها شِدَّتَكم على دِينِكم ،  فقد رَأَيتُ . فسجدوا له و رَضوا عنه ، فكان ذلكَ آخِرَ شأنِ هرقلَ .[1]


[1] صحيح البخاري  - باب بدء الوحي \ حديث : ‏7‏

ليست هناك تعليقات: